Contents
Download PDF
pdf Download XML
967 Views
90 Downloads
Share this article
Research Article | Volume 2 Issue 1 (Jan-June, 2021) | Pages 1 - 6
صور من أثر التباين الإعرابي في تفسير ضياء التأويل في معاني التنزيل للأستاذ عبد الله بن فودي
 ,
1
Department of Arabic, Usmanu Danfodiyo University, Sokoto Nigeria
Under a Creative Commons license
Open Access
Received
April 2, 2021
Revised
May 7, 2021
Accepted
May 19, 2021
Published
June 10, 2021
Abstract

لا يتناطح العنزان على أهمية الإعراب وأثره في إبراز معاني آيات الذكر الحكيم، وبيان ما توحي إليه من دلالات متنوعة. وقد نشأ هذا العلم وازدهرت مباحثه في كنف الحاجة إلى تفسير القرآن الكريم، وبيان معانيه وأسراره، مبينا أثر اختلاف الإعراب وتوجيهاته في تعدد المعاني التفسيرية، فتعدَّدت المصنفات قديما وحديثا تحقيقا لهذا الهدف، فلكل مذاقه ووجهته التي هو مُوَلِّيها، يثير مسائل علمية تساعده في الوصول إلى الفكرة. فللعلماء النيجيرين دور ملموس في تفسير القرآن الكريم والإنتاجات العلمية والأدبية قديما وحديثا، وكانت دولة صكتو من أشهر المناطق وجودا لتلك التأليفات، كمًّا، وقيمة، كما كان العلامة الأستاذ عبد الله بن فودي من أبرز هؤلاء المفسرين إعتناء بوجوه الإعراب والقراءات وأثرها في تعدد المعاني في تفسير القرآن الكريم. فجاءت هذه المداخلة بغية إبراز صور من أثر التباين الإعرابي في تفسير ضياء التأويل للعلامة الأستاذ عبد الله بن فودي - تغمده الله برحمته.

Keywords
INTRODUCTION

المقدمة

الحمدُ لله الذي نزّل خير كتابه لخير مرسل بلسان عربي مبين، صلوات الله وسلامه على نبينا محمّد خاتم المرسلين ما استطار برق في أرجاء السحاب، ثم الرّضا عن آله الطيبين الطاهرين وصحابته أجمعين، ومَنْ تَبِعهم بإحسانِ إلى يوم الدِّين.

 

وبعد:

كان القرآن الكريم ولا يزال مثابة اجتهاد المفسرين في تبيان معانيه وأحكامه، ووجوه قراءته، ودقائق بلاغته، وآيات إعجازه وغيرها من الموضوعات. ومن المباحث الأساسية في هذا المجال وجوه إعراب القرآن والقراءات للارتباط الوثيق القائم بين اللفظ وإعرابه بحيث يتلوّن المعنى بتلوّن الإعراب. وقد قيل: 

 

الإعراب فرع المعنى. ومن هناجاءت هذه المداخلة لهدف إلقاء ضوء حول الأثر الإعرابي في توجيه المعاني في تفسير ضياء التأويل للأستاذ عبد الله بن فودي –

 

 تغمده الله برحمته، بعنوان: "صور من أثر التباين الإعرابي في تفسير القرآن الكريم؛ تفسير ضياء التأويل في معاني التنزيل للأستاذ عبد الله بن فودي نموذج". وسيتجلى في المقال أنّ الأستاذ وظف الإعراب والقراءات السبع في بيان المعاني التي توحيها بعض الآيات والألفاظ، مستخرجا من ذلك الأحكام االشرعية المناسبة لكل وجهة إعرابية. والمقالة مكونة من النقاط التالية:

 

  • ترجمة المفسر الأستاذ عبد الله بن فودي.

  • مذهبه النحوي

  • عرض الصور وتحليلها

  • الخاتمة

  • الهوامش والمراجع

 

ترجمة المفسر الأستاذ عبد الله بن فودي:

هو أبو محمد الأستاذ عبد الله بن محمد الملقب بفودي بن عثمان ويتصل نسبه إلي نبي الله إسماعيل عن طريق عقبة بن عامر الصحابي  الجليل الذي تزوج ببنت ملك الفلانيين وهم قبيلة من قبائل الروم أسلمت مع ملكهم  بدون قتال، لما وصل إليهم فاتحا بلاد المغرب [1]  يقول عبد الله بن فودي:

 

ولنا لإسماعيل نسبة عقبة ** ولنا لإسرائل أصلٌ جاري

أعمالنا عربٌ كما أخوالنا ** أبناء أعراب وهاك نُجاري. [2]

 

وُلد الأستاذ عبد الله بن فودي سنة ألف ومائة وتسعة وسبعين هجرية.  [3] ونشأ في بيت علم وصلاح. قرأ القرآن على أبيه، ثم انتقل إلى أخيه الأكبر الشيخ عثمان، وأخذ عنه علوما جمّة كاللغة، والتوحيد، والإعراب، والتصوف الذي للتخلق والذي للتحقق ما استغنى فيه عن غيره [4] وله شيوخ كثيرون غير من تقدم. منهم شيخ الشيوخ الشيخ جبريل ، وفي ذلك يقول:

إن قيل في بحسن الظن ما قيل  ** فموجة أنا من أمواج جبريل.  [5]

إضافة إلى مدارس لازمها الأستاذ  ابن فودي تؤت أكلها كل حين، وفي ذلك يقول:

ومدارس أضنى بحب شهودها ** فيها نجاح حوائج المتحوّج [6]

استفاد الأستاذ عبد الله بن فودي من عدد يصعب الإحاطة بهم، ومن ذلك يقول:

وكم عالم أو طالب قد أفادني ** علوما سواها مشرقي ومغربي [7]

كتب الله للأستاذ عبد الله بن فودي نشأة علمية متميّزة حَقَّقتْ له طموحه في التّحصيل العلمي، والاطلاع الواسع على موارد العلم المختلفة، والإحاطة بأكثر العلوم العقلية والنقلية. ولذا نجده يُنعت باللغوي والنحوي، البياني والأصولي، والمحدث الحافظ المقرئ والخطيب الشهير، معدن الصدق، منبع العلم وزناد الفهم، كان راوية في تحقيق العلوم، فسبحان من يودع ما شاء من حكمته فيمن شاء من خلقه. [8] 

 

مؤلفاته

إن هذه البلاد لتفتخر بمؤلفات هذا العبقري لا لكثرتها وقيمتها فحسب، ولكن لشمولها لمعظم العلوم، من تفسير، وفقه، وأصوله، وتصوف، وتاريخ، وحديث ومصطلحه، ولغة، ونحو، وصرف، ومنطق، وتوحيد وعلم الكلام، وعروض، وأدب، [9] وكان يؤلف أكثر من كتاب غالبا في كل تخصص من تلك التخصصات، ومعظمها منظومة بعضها ألفيات وبعضها فوق ألف مثل "البحر المحيط"  في النحو، الذي ينيف  على أربعة آلاف بيتا، ولمع البرق فيما اجتمع وافترق"  وغيرهما، وفي الصرف "الحصن الرصين "، وخلاصته ،كما عنده في العروض "فتح اللطيف الوافي لعلمي العروض والقوافي" [10] وله في مصطلح الحديث "مصباح الراوي" و"سراج القاري نظم مقدمة إرشاد الساري شرح صحيح البخاري"، وغيرهما، وفي التفسير وعلوم القرآن "مفتاح التفسير"، و"ضياء التأويل في معاني التنزيل"، وتلخيصه "كفاية ضعفاء السودان  في بيان تفسير القرآن". [11]وغيرها من المؤلفات مما لا يسع المجال بذكرها في هذا السدد.

 

مذهب الأستاذ عبد الله بن فودي النحوي

يعد تفسير "ضياء التأويل في معاني التنزيل" من أفضل تفاسير أُلِّفت في صعيد أفريقيا، بل "إنه كتاب لم ينسج على منواله ولم يسبق صاحبه أحد إلى وضع مثله ولم يلحقه في شأوه لاحق" [12] بهذا العمق وهذه المادة العلمية الغزيرة. ومما يدل على ذلك ما حشده المؤلف من ذخائر علمية ووجوه إعرابية وقراءات مشهورة، مما ميزه من غيره، ومن ذلك ما قاله المؤلف بنفسه عن التفسير: "وبعد: فهذا لما اشتدت إليه حاجة الراغبين، وإلحاح الملحين: أن أكتب لهم تفسيرا يفهمون به كتاب الله مع الاعتماد فيه على أرجح الأقوال بإعراب ما يحتاج إلى الإعراب منه والتنبيه على القراءات المشهورة بتبدئة قراءة نافع رواية ورش عنه، إذ هي قراءتنا في هذه البلاد، وبيان الأحكام الشرعية مع رعي مذهب مالك فيها: إذ هو مذهبنا في الأحكام الشرعية الفرعية والتنبيه على ما يتعلق بالبلاغة..." [13]

والملاحظ من العرض السابق أنّ تفسير ضياء التأويل آية تدل على ما تتمتع به شخصية المؤلف الأستاذ عبد الله بن فودي العلمية، مما أهله في إبداع منهج متميز في التفسير، وكأنه نتيجة نشاطاته العلمية. وقد اتخذ الإعراب عُدّة لبيان وجوه المعاني والقراءات السبع المشهورة. وبعد التتبع والاستقراء لتفسير ضياء التأويل أدرك الباحثان أنّ الأستاذ عبد الله بن فودي لم ينص على انتمائه إلى مذهب معيّن من مذاهب النحويين، لكنه في عرض المادة العلميّة ومناقشة المسائل التي جرى فيها الخلاف يُدرك أنه إلى المذهب البصري أقرب منه إلى المذهب الكوفي، بل كان يختار مذهب البصريين أحيانا ويُرَجّحه على مذهب الكوفيين، وكثيراً ما عَوّل على ما قرّرَهُ سيبويه، وهذا التوجه عند ابن فودي لا يقف به عند مسائل بعينها بل يمتد على أكثر المسائل التي كان لسيبويه فيها أثر من اختيار أو قول. وفيما يلي نماذج لما ذهب إليه الباحثان:

 

العطف على ضمير الرفع المتصل

اختلف النحاة في العطف على ضمير الرفع المتصل، فذهب البصريون على المنع حتَّى يُؤكد أو يُفصلُ بفاصِل يَتَنَزَّلُ منزلة التوكيد، أمَّا الكوفيون فَمذهبهم جواز العطف دون فاصل. وعلى هذا وقف ابن فودي على القضية عند تفسيره لقوله تعالى: {وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ} [14] ففصل القول في المسألة على مذهب البصريين ولم يشر إلى مذهب الكوفيين فيها، إمّا لأنه لا يرى مساغاً لذكره في المقام، لكونه مبسوطا في كتب النحو، أو لأنّ رأيهم في المسألة مشهور عند النحاة فاقتصر على ما يراه في المسألة راجحاً، ومما قاله في توجيه الآية:

"{وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ} تأكيد للضمير المستتر، ليعطف عليه {وَزَوْجُكَ} حواء بالمد {الْجَنَّةَ}أي جنة الخلد وهي في السماء السابعة، ومعنى "اسكن" لازم الإقامة، والأمر للإذن {وَكُلَا مِنْهَا} من ثمارها {رَغَدًا} أي أكلا واسعا طيبا لا حجر فيه صفة مصدر محذوف {حَيْثُ شِئْتُمَا} من أي مكان من الجنة لا تضييق عليكما؛ وسع عليهما إزاحة للعذر في التنازل من الشجر المنهي عنها من بين أشجارها الفائتة للحصر. وقال: {وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ} بالأكل منها وهي الحنطة أو الكرم أو التين أو غيرها {فَتَكُونَا} مجزوم عطفا على "تقربا" أو منصوبا جوابا للنهي أي تصيرا {مِنَ الظَّالِمِينَ} ..." [15]

وما ذكره ابن فودي هنا هو مذهب البصريين في المسألة،  فـ "زوجك" معطوف على الضمير المستتر في "اسكن" وقد وقع الفصل بالضمير المنفصل وهو "أنت". أمَّا الكوفيون فَمذهبهم جواز العطف دون فاصل، ولهم شواهد نظماً ونثراً، وفي ذلك يقول ابن مالك:

 

وَإِنْ عَلَى ضَمِيرِ رَفْعٍ مُتَّصِلْ عَطَفْتَ** فَافْصِلْ بِالضَّمِيْرِ المُنْفَصِلْ

أوْ فَاصِلٍ مَا وَبِلَا فَصْلٍ يَرِدْ **فِي النَّظْمِ فَاشِياً وَضَعْفَهُ اعْتَقِدْ [16]

 

إجلال ابن فودي لسيبويه والمذهب البصري

ومما يدل على بصرية ابن فودي أنه كثيرا ما يضيف إلى النقل عن سيبويه مما يؤكد الثقة في علمه وعلم البصريين أتباعه وبنفي كل شك عنه، أو يعبر بـ"على ما اختاره سيبويه" [17] أو إذا أتى لمسألة خلافية بين المذهبين، يرجح الرأي البصري على خصومه الكوفي، ويدرك هذا من تقديمه ذكر الأول على الثاني في أغلب الأحيان، ومن ذلك قوله عند تفسير قوله تعالى:

{وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ } [18] 

وعلق الأستاذ عبد الله بن فودي على الآية قائلا:

"{وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ} حزب أو فريق { كَافِرٍ بِهِ} من أهل الكتاب لأنّ من خلفكم تبع لكم فإثمهم عليكم، بل يجب أن تكونوا أول مؤمن به لمعرفتكم به، والضمير في "به" عائد على محمد صلى الله عليه وسلم، وقيل على القرآن، وقيل على التوراة لأنّ صفة محمد وكثيرا مما يقول فيها، فمن كذبه كذب التوراة و أول ضد الآخر وزنه أفعل؛ فاؤه وعينه واوان عند سيبويه ولم يتصرف منها فعل لاعتلال فائه وعينه، وقال الكوفيون أصله "أوأل" من "وأل"؛ نجا، أبدل الهمزة الثانية واوا مفتوحة وأدغم الأولى فيها..." [19]

والشاهد في العرض قوله: " و أول ضد الآخر وزنه أفعل؛ فاؤه وعينه واوان عند سيبويه ولم يتصرف منها فعل لاعتلال فائه وعينه، وقال الكوفيون أصله "أوأل" من "وأل"؛ نجا، أبدل الهمزة الثانية واوا مفتوحة وأدغم الأولى فيها". إنه لإجلال لسيبويه والمذهب البصري حيث قدس الأستاذ عبد الله بن فودي رأي البصريين في المسألة وعلى رأسهم سيبويه وذلك بالتصريح عن اسم سيبويه ثم تقديم رأيه على رأي الكوفيين،  وهو كون عينه وفاؤه واو. وإنما لم ينطق منه بفعل عنده لئلا يعتل من جهتين وهذا مذهب البصريين، ثم تطرق إلى ذكر الرأي الكوفي في أنّ اللفظ من وأل، فيكون الأصل فيه أوأل ثم خفّفت الهمزة. 

ومن الشواهد على ذلك قول ابن فودي عند قوله تعالى: {لَا يسَمَعوُن فَيِهاَ لغَوْاً إلِّا سَلاماً ولَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيْهاَ بُكرْةً وَعَشِيًّا}.  [20]

قال الأستاذ ابن فودي: "{لَا يسَمَعوُن فَيِهاَ لغَوْاً} ما حقه أن يلغى من فضول الكلام والباطل كاليمين الكاذبة {إِلَّا} لكن يسمعون {سَلَامًا} من الملائكة عليهم أو من بعضهم على بعض أو يسمعون قولا يسلمون فيه من العيب، فالاستثناء منقطع، ويجوز أن يكون متصلا أي إلا سلاما إن كان يعد لغوا، كقوله:

ولا عيب فيهم غير أنّ سيوفَهم ** بهنّ فلولٌ من قِراع الكتائب" [21]

اختلف النحاة في توجيه إعراب لفظ (إلا سلاما)، وذكر الأستاذ ابن فودي توجيهين قائلا: "{إِلَّا} لكن يسمعون {سَلَامًا} من الملائكة عليهم أو من بعضهم على بعض أو يسمعون قولا يسلمون فيه من العيب، فالاستثناء منقطع، ويجوز أن يكون متصلا أي إلا سلاما إن كان يعد لغوا". فعلى نصب لفظ "سلاما" على الاستثناء المنقطع، يكون ما بعد حرف الاستثناء من غير جنس المستثنى منه. وعلى هذه الوجهة الإعرابية يكون السلام ليس من جنس اللغو؛ بل يقصد به سلام المؤمنين بعضهم على بعض، أو سلام الملائكة عليهم، أو تسليم الله عليهمكما يدل على ذلك قوله تعالى: {تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ}، وقوله: {وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ...}.وهذا المعنى الذي اختاره الأستاذ عبد ابن فودي هنا جاء هو رأي سيبويه والبصريين. فتقديمه رأي البصريين على الكوفيين دلالة واضحة على بصريته، وعلى هذا اختار الأستاذ عبد الله بن فودي أن يكون الاستثناء منقطعا تبعا للبصريين، لأن السلام لا يندرج تحت اللغو ، وهو من تأكيد المدح بما يشبه الذم.

والرأي الثاني: النصب على الاستثناء المتصل، وهو للكوفيين، ويعني أن يكون ما بعد حرف الاستثناء من جنس المستثنى منه، أي أن معنى السلام في الآية هو الدعاء بالسلامة وأهل الجنة لا حاجة بهم إلى هذا الدعاء فكان ظاهره من باب اللغو وفضول الحديث لولا ما فيه من فائدة الإكرام [22] والمعنى ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا أي بكل مكان إلا بموضع حبل من الله.

 

جعله "إن" مخففة من الثقيلة مهملة

ومما يؤكد انتماء الأستاذ ابن فودي إلى المذهب البصري جعله "إن" مخففة من الثقيلة المهملة في قوله تعالى: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ } [23]

أفاد الأستاذ عبد الله بن فودي من الآية قائلا: "{وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ} لمعالم دينكم ومناسك حجكم والكاف للتعليل وما مصدرية أو كافة {وَإِنْ} مخففة { كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ} قبل هداه {لَمِنَ الضَّالِّينَ} الجاهلين بعبادته وذكره". [24] 

وإعراب "إِنْ" على أنها مخففة من الثقيلة لا عمل لها تخريج بصري يرفضه الكوفيون ويقولون أنه 

 لا يجوز، لأنه إذا خفف نون "إن" فلا بدّ له من أن يدخل "إلا" فيقول: إن هذا إلا ساحران، أو تعتبر لغة بني الحارث بن كعب ومن جاورهم، الذين يجعلون الاثنين في رفعهما ونصبهما وخفضهما بالألف [25]

ومن الآيات التي تشهد على بصرية الأستاذ عبد الله بن فودي استعماله مصطلحات البصريين ويؤثرها على المصطلحات الكوفية، ومن ذلك إيثاره مصطلح (ضمير) على (كناية)، واستعماله "الجر" دون "الخفض"، وكذلك اختياره لفظ "تمييز" على "تفسير" أو "تبيين".

فكل من هذه الكلمات التي استعملها الأستاذ مصطلحات اختص بها النحو البصري دون الكوفي، وفي ذلك دلالة واضحة على ميله إلى المذهب البصري. [26]

 

عرض الصور وتحليلها

الصورة الأولى: قال الله تعالى: {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} [27]

اختلف النحويون في توجيه إعراب لفظ "غير" الوارد في الآية الكريمة تبعا للمعنى الذي يوحي إليه، وفي ذلك يقول العلامة الأستاذ عبد الله بن فودي:

"{ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ } وهم اليهود {وَلَا الضَّالِّينَ} وهم النصارى. وغير بدل من الذين على معنى؛ أن المنعم عليهم هم الذين سلموا من الغضب والضلال، أو صفة له مبنية أو مقيدة، واعترض البدلية بأن أصل "غير" الوصفية والإبدال بالوصف ضعيف، وأجيب بأن "غير" يستعمل استعمال الأسماء نحو: غيرك يفعل كذا، فصح وقوعه بدلا، واعترض الوصفية بأن "غيرا" لاتتعرف؛ فإذا قلت رأيت غيرك فكل شيء سوى المخاطب فهو غيره، وأجيب بأنه قد يتعرف بالإضافة كما هنا؛ لأنه أضيف إلى ما له ضد واحد وهو المنعم عليه؛ فيتعين تعين الحركة من غير السكون، وعن ابن كثير نصبه على الحال من الضمير المجرور، والعامل "أنعمت"..." [28]

والملاحظ من العرض السابق أن الأستاذ عبد الله بن فودي لخص وجوه الإعراب في لفظ "غير" الوارد في الآية إلى ثلاث وجوه، وهي:

 

الوجه الأول: أن يكون لفظ "غير"  بدلا من الذين أنعم الله عليهم، فيكون مجرورا، وعليه يكون المعنى؛ أن المنعم عليهم هم الذين سلموا من الغضب والضلال، وكأنه يقول: اهدنا صراط غَيْرِ المغضُوبِ عليهم، وغير الضالين.

الوجه الثاني:أن يكون صفة للذين أنعم الله عليهم، إِذْ لَا يقْصد بهم قصد أشخاص بأعيانهم فجروا مجْرى النكرَة. 

وقد يعقب واحد على أن "غير" نكرة، ولا يتعرف بالإضافة، فلا يصح أن يكون صفة للذين، ففيه جوابان. أحدهما: أن "غير" إذا وقعت بين متضادين، وكانا معرفتين تعرفت بالإضافة؛ قولك عجبت من الحركة غير السكون ; وكذلك الأمر هنا، لأن المنعم عليه، والمغضوب عليه متضادان. والجواب الثاني: أن "الذين" قريب من النكرة ; لأنه لم يقصد به قصد قوم بأعيانهم، وغير المغضوب قريبة من المعرفة بالتخصيص الحاصل لها بالإضافة ; فكل واحد منهما فيه إبهام من وجه واختصاص من وجه. [29]

الوجه الثالث: أن يكون اللفظ منصوبا على الحال من الضمير المجرور في "عليهم"، فكأن القارئ يقول: اهدنا صراط الذين أنعمْت عليهم لا مغْضوباً عليهم.

 

ومن هذا المنطلق يدرك القارئ مدى تأثير التباين الإعرابي في تفسير الآية، إذ تعددت المعاني من اللفظ الواحد. فأفاد البدل أن المنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين هم أنفسهم الذين اتقوا ربهم حق تقاته فسلموا مما يسبب غضب الله تعالى من كفر النعم والسعي في الأرض فسادا، كما هي صفة لازمة لليهود، وكذلك سلموا من الضلال الذي كان عَلَمًا للنصارى إذ كانوا جهلة لا يعرفون الحق، فكان الضلال أخص صفاتهم. كما يستنتج من الصفة أن هؤلاء الذين أنعم الله عليهم بنعم كثيرة من الخلق والرحمة والتربية والإيمان والهداية والنجاة من غضبه تعالى من سماتهم أنهم جمعوا بين صفة الإيمان والنجاة من الغضب والضلال. فالمؤمن التقي المعترف بضعفه أمام خالقه مجَّد الربَ وحمده لِـمَا أوصل إليه من النعم، مستغرقا قلبه في مشاهدة نور الحق الأتم، والمنعم الحقيقي مالك يوم الجزاء، ومعترفا بانقطاعه عن كل ما سواه، مبالغا في الخضوع والخشوع والتعظيم، داعيا ربه بكل أدب وخضوع أن يهديه الصراط المستقيم، فبالغ في طلب الهداية إلى ذلك الطريق السوي، الذي يوصل إلى رضا الله كي يكون {مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا، ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا.

 

الصورة الثانية

قال الله تعالى:{قُلْ منْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتيِ أَخْرَجَ لعِبَاِدهِ والطِّيبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ للِّذِينَ آَمَنُوا فِي الَحيَاةِ الدُّنْيَا خَالصِةً يوْمَ القِيَامَة كَذَلكِ نُفَصِّل الآَيَاتِ لقِوْمٍ يعْلَمُوَن}. [30]

علق الأستاذ عبد الله بن فودي قائلا:"...{خالصة} من الكدر أو خاصة بهم بالرفع لنافع خبر بعد خبر وبالنصب لغيره حال..." [31]

يلاحظ القارئ أثر التباين الإعرابي خلال تفسير الأستاذ عبد الله للفظ "خالصة" الوارد في الآية، حيث أعرب اللفظ على حالتين رفعا ونصبا، ولا يخفى للقارئ ما فيهما من اختلاف المعنى تبعا لاختلاف وجوه الإعراب فيها. وهي:

 

الوجه الأول: برفع لفظ "خالصةٌ"، وهي قراءة نافع المدني، وحجة من قرأ بالرفع جعلها خبرا آخرا للمبتدأ بعد الخبر الأول (للذين آمنوا)، وعليه فإن معنى قراءة الرفع: أن هذه الزينة والطيبات تخلص للمؤمنين في الآخرة، وإن شاركهم فيها غيرهم في الدنيا. ومنهم من أعربها خبرا للمبتدأ (هي)، وتكون (للذين آمنوا) تأكيدا وتثبيتًا للخلوص. [32]

الوجه الثاني: بالنصب وهي قراءة الباقين، أي: (خالِصَةً)، وحجة من نصب أنه: لما تم الكلام دونها نصبها على الحال، والتقدير: هي ثابتة للذين آمنوا في حال خلوصها لهم يوم القيامة أي إن الزينة يشاركون فيها في الدنيا وتخلص لهم في الآخرة. [33] بحيث يشترك فيها المؤمن والكافر في حياة الدنيا وهي خالصة للمؤمنين يوم القيامة وقال القتبي: هذا من الاختصار ومعناه: قل هي للذين آمنوا في حياة الدنيا مشتركة، وفي الآخرة خالصة [34]

 

الصورة الثالثة

قال الله تعالى: {وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ } [35]

وقال الأستاذ عبد الله بن فودي:

"{وَقَالُوا مَهْمَا} أصله ما الشرطية زيد عليها ما للتوكيد، ولاستثقال التكرار قلب الألف هاء، ومحلها على الابتداء أو النصب بفعل يفسره { تَأْتِنَا بِهِ} أي شيء تحضرنا به { مِنْ آيَةٍ} بيان لما، وتسمية ما جاء به آية تهكم أو على زعمك، ولذا قالوا { لِتَسْحَرَنَا بِهَا} تشبه علينا، والضمير في به وبها لهما باعتبار اللفظ والمعنى { فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ} إقناط لموسى وردع له عن الاشتغال بإظهار المعجزات". [36]

ولفظ "مهما" عند الأستاذ عبد الله بن فودي – تغمده الله برحمته – أصلها "ما" "ما"، الأولى المضمنة معنى الجزاء، ضمنت إليها "ما" الثانية المزيدة المؤكدة للجزاء، كما تزاد في بعض الأماكن، كقوله تعالى: {أينما تكونوا يدرككم الموت}، إلا أن الألف الأولى قلبت "هاء" استثقالا لتكرير المتجانسين، و"ما" للجزاء، كأنه قيل: كف ما تأتنا به من آية لتسحرنا به فما نحن لك بمؤمنين. فيكون للفظ "مهما" وجهان من الإعراب:

 

الوجه الأول: مهما في محل رفع بالابتداء، والتقدير: أي شيء تأتنا به. [37]

الوجه الثاني: مهما في محل نصب لفعل محذوف يفسره فعل الشرط فيكون من باب الاشتغال يدل عليه لفظ "تأتنا به" الوارد في الآية، والتقدير: أيما شيء تُحضر تأتنا به.

 

قال الزمخشري: "وهذه الكلمة في عداد الكلمات التي يحرّفها من لا يد له في علم العربية فيضعها غير موضعها ويحسب مهما بمعنى متى ما ويقول مهما جئتني أعطيتك وهذا من وضعه وليس من كلام واضع العربية في شيء ثم يذهب فيفسر {مهما تأتنا به من آية} بمعنى الوقت فيلحد في آيات الله تعالى وهو لا يشعر وهذا وأمثاله مما يجوب الجثو بين يدي الناظر في كتاب سيبويه". [38]

 

الصورة الرابعة

قال الله تعالى: {صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ} [39]

قال عبد الله بن فودي: "{صِبْغَةَ اللَّهِ} أي دين الله أو تطهير الله، وهو مصدر مؤكد لآمنا منصوب به على معنى: صبغنا الله صبغة. والمراد بها دينه الذي فطر الناس عليه لظهور أثره على صاحبه كالصبغ في الثوب أو للمشاكلة تقديرا، لأن النصارى كانوا يغمسون أولادهم في ماء أصفر وهو صبغتهم ويقولون: هو تطهير لهم، أو منصوب على الإغراء؛ أي الزموا، أو بدل من ملة إبراهيم { وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً} تمييز؛ لا صبغة أحسن من صبغته {وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ}تعريض بهم أي لا نشرك به كشرككم وهو عطف على "آمنا"، وذلك يقضي دخول قوله "صبغة الله" في مفعول "قولوا"، ولمن ينصبها على الإغراء أو البدل أن يضمر "قولوا" معطوفا على "الزموا" أو "اتبعوا ملة إبراهيم حتى لا يلزم فك النظم" [40]

الوجه الأول: مصدر مؤكد لآمنا منصوب به على معنى: صبغنا الله صبغة. وهي قراءة الجمهور، "وانتصابها يعني: صبغة الله على أنها مصدر مؤكد، هو الذي ذكره سيبويه، والقول ما قالت حذام" [41]. انتهى. صبغة الله بالنصب،  والمراد بها دينه الذي فطر الناس عليه لظهور أثره على صاحبه كالصبغ في الثوب أو للمشاكلة تقديرا، لأن النصارى كانوا يغمسون أولادهم في ماء أصفر وهو صبغتهم ويقولون: هو تطهير لهم.

الوجه الثاني: منصوب على الإغراء؛ والتقدير: الزموا صبغة الله.

الوجه الثالث: بدل مرفوع من ملة إبراهيم، وهو على قراءة الأعرج وابن أبي عبلة.

 

الصورة الخامسة

قال الله تعالى: {وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [42]

يقول عبد الله بن فودي: {وقلنا {وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ} من الأحكام، وقرأ حمزة بكسر اللام ونصب يحكم عطف على معمول آتيناه، أي ليؤمنوا وليحكم، على أن اللام لام كي { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} عن حكمه أو عن الإيمان، إن كان مستهينا به، والآية تدل على أن الإنجيل مشتمل على الأحكام، وأن اليهودية منسوخة ببعث عيسى وأنه كان مستقلا بالشرع" [43]

وردت قراءتان في فعل "وليحكم" الوارد في قوله تعالى: {وَلِيَحْكمُ أْهَلْ الإنِجْيِلِ بِمِا أنَزْلَ اللهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُوَلئكِ هُمُ الفَاسِقوَن}. 

أشار الأستاذ عبد الله إلى قراءة حمزة بكسر اللام ونصب الميم، أي: (ولِيَحْكُم) عطف على معمول آتيناه، أي ليؤمنوا وليحكم، على أن اللام لام كي للتعليل، والمعنى: آتيناه الإنجيل لكي يحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه، وكأنه بَيَّنَ هنا الحكمة من إنزال الإنجيل. "فجملة "ليحكم" على هذه القراءة معطوفة على قوله "فيه هدى..." الذي هو حال، عطفت العلة على الحال عطفا ذكريا لا يشرك في الحكم لأن التصريح بلام التعليل قرينة على عدم استقامة تشريك الحكم بالعطف فيكون عطفه كعطف الجمل المختلفة المعنى. وصاحب الكشاف قدر في هذه القراءة فعلا محذوفا بعد الواو، أي وآتيناه الإنجيل، دل عليه قوله قبله "وآتيناه الإنجيل"، وهو تقدير معنى وليس تقدير نظم الكلام". [44] واكتفى ابن فودي بذكر قراءة حمزة، إذ قراءة الباقين مشهورة وهو بإسكان اللام والميم، أي: (ولْيحكُمْ). فالحجة لمن أسكن اللام أنه جعله لام الأمر فجزم بها الفعل وأسكنها تخفيفا، فأفادت معنى: الأمر، أي أمر الله تعالى أهل الإنجيل بالحكم بما أنزل الله في الإنجيل، وفيه تهديد ووعيد لهم. وإن كان الأصل فيها الكسر. [45] "ولا شك أن هذا الأمر سابق على مجيء الإسلام، فهو مما أمر الله به الذين أرسل إليهم عيسى من اليهود والنصارى، فعلم أن في الجملة قولا مقدرا هو المعطوف على جملة "وآتيناه الإنجيل"، أي وآتيناه الإنجيل الموصوف بتلك الصفات العظيمة، وقلنا: ليحكم أهل الإنجيل" [46]

 

الصورة السادسة

تتمثل هذه الصورة في قوله تعالى:{يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا} [47]

أفاد المفسر الأستاذ عبد الله بن فودي وجوه الإعراب للآية قائلا:

":{يَرِثُنِي وَيَرِثُ} برفعهما للجمهور صفتان لـ"وليا"، وبجزمهما لأبي عمرو والكسائي على جواب الأمر، أي: إن وهبته لي يرثني ويرث { مِنْ آلِ يَعْقُوبَ} ابن إسحاق النبوة والعلم لأن الأنبياء لا يورثون المال، ومن للتبعيض لأنّ آلهُ ليسوا كلهم أنبياء ولا علماء. وقيل يعقوب هذا هو ابن ماثان أخو عمران من نسل سليمان عليهم السلام، {وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا} مرضيا عندك قولا وعملا أو راضيا بقضائك" [48]

يستفاد من العرض أنّ الجمهور وهم أهل الحرمين والحسن وعاصم وحمزة قرءوا بالرفع، أي: {يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ}، بينما قرأ يحيى بن يعمر وأبو عمرو ويحيى بن وثاب والأعمش والكسائي {يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ} بالجزم فيهما. والحجة لمن جزم؛ أنه جعله جوابا للأمر؛ لأنّ معنى الشرط موجود فيه، يريد: فإن تهب لي وليًّا يرثني. والحجة لمن رفع أنه جعل قوله: يرثني صلة لولِـيٍّ؛ لأنه نكرة، عاد الجواب عليها بالذكر، ودليله قوله تعالى: {ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ} [49]يريد: (لاعبين) وفيه بعض الضعف؛ لأنّ الأول حالٌ من "وليِّ" وهو نكرة، وهذا حال من الهاء والميم، وهما معرفة" [50]

 

الصورة السابعة:

قال الله تعالى: {لَا يسَمَعوُن فَيِهاَ لغَوْاً إلِّا سَلاماً ولَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيْهاَ بُكرْةً وَعَشِيًّا}. [51]

قال الأستاذ ابن فودي: "{لَا يسَمَعوُن فَيِهاَ لغَوْاً} ما حقه أن يلغى من فضول الكلام والباطل كاليمين الكاذبة {إِلَّا} لكن يسمعون {سَلَامًا} من الملائكة عليهم أو من بعضهم على بعض أو يسمعون قولا يسلمون فيه من العيب، فالاستثناء منقطع، ويجوز أن يكون متصلا أي إلا سلاما إن كان يعد لغوا، كقوله:

ولا عيب فيهم غير أنّ سيوفَهم ** بهنّ فلولٌ من قِراع الكتائب" [52]

ولَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيْهاَ بُكرْةً وَعَشِيًّا} التوسط بين الزهادة والرغابة إذ ليس في الجنة ليل ولا نهار يعرف به البكرة والعشي بل ضوء ونور أبدا، وقيل يعرفون وقت النهار برفع الحجب والليل بإرخائها، وقيل المراد بهما دوام الرزق، كقولك أنا عند فلان صباحا ومساء تريد اتصال الصحبة" [53]

اختلف النحاة في توجيه إعراب لفظ (إلا سلاما)، ويمكن تلخيص توجيهاتهم في ثلاث نقاط:

النقطة الأولى: نصب لفظ "سلاما" على الاستثناء المنقطع، فيكون ما بعد حرف الاستثناء من غير جنس المستثنى منه. وعلى هذه الوجهة الإعرابية يكون السلام ليس من جنس اللغو؛ بل يقصد به سلام المؤمنين بعضهم على بعض، أو سلام الملائكة عليهم، أو تسليم الله عليهم كما يدل على ذلك قوله تعالى: {تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ}، وقوله: {وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ...}.وهذا المعنى الذي اختاره الأستاذ عبد ابن فودي هنا جاء في غير هذا الموضع أيضاً كقوله تعالى {لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلاَ تَأْثِيماً إِلَّا قِيلاً سَلاماً سَلاماً}. وعلى هذا اختار الأستاذ عبد الله بن فودي أن يكون الاستثناء منقطعا لأن السلام لا يندرج تحت اللغو ، وهو من تأكيد المدح بما يشبه الذم.

النقطة الثانية: النصب على الاستثناء المتصل، وهو أن يكون ما بعد حرف الاستثناء من جنس المستثنى منه، أي أن معنى السلام في الآية هو الدعاء بالسلامة وأهل الجنة لا حاجة بهم إلى هذا الدعاء فكان ظاهره من باب اللغو وفضول الحديث لولا ما فيه من فائدة الإكرام [54]

 النقطة الثالثة: البدل من اللغو، ولم يشر الأستاذ عبد الله إلى هذا القول لضعفه.

 

الخاتمة:

تحدثت الصفحات السابقة عن الأثر الإعرابي في تفسير ضياء التأويل في معاني التنزيل للأستاذ عبد الله بن فودي – تغمده الله برحمته، بدءا بترجمة المفسر الأستاذ عبد الله بن فودي، ثم تطرقت إلى الحديث عن المذهب النحوي الذي ينتمي إليه ابن فودي، كما تعرضت على عرض بسيط للصور الإعرابية ووجوهها في تفسير ضياء التأويل. وفيما يلي طائفة من النتائج التي حصل عليها الباحثان:

- أن ثقافة الأستاذ عبد الله النحوية تأصلت منذ اللحظة الأولى من مراحله التعلمية، إذ أولاه من العناية ما لا يقل شأنا عن العلوم الضرورية الأخرى، وذلك لما أدرك دوره في فهم النصوص الشرعية واللغوية، فإذا هو شخصية بارزة في ساحة هذا الفن بما صنف فيه من كتب ضخمة مفيدة، وما طبقه من قضاياه المتنوعة.

- أن ميله إلى المذهب البصري أقوى من مذهب خصومهم الكوفي. 

- أنّ الأستاذ ابن فودي وظف الإعراب والقراءات السبع في بيان المعاني التي توحيها بعض الآيات والألفاظ، مستخرجا من ذلك الأحكام االشرعية المناسبة لكل وجهة إعرابية.

REFERENCE

الهوامش والمراجع

  1. عبد الله بن فودي: كناب النسب مخطوط، ص: 2

  2. ابن فودي عبد الله، ضياء التأويل في معاني التنزيل، الجزء الأول، مطبعة الاستقامة  القاهرة 1380هـ  /1961م. ص:3

  3. ابن فودي عبد الله، ضياء التأويل في معاني التنزيل، الجزء الأول، مطبعة الاستقامة  القاهرة 1380هـ  /1961م. ص:3

  4. ابن فودي عبد الله، ضياء التأويل في معاني التنزيل، الجزء الأول، مطبعة الاستقامة  القاهرة 1380هـ  /1961م. ص:3

  5. ابن فودي عبد الله، ضياء التأويل في معاني التنزيل، الجزء الأول، مطبعة الاستقامة  القاهرة 1380هـ  /1961م. ص:3

  6. عبد الله بن فودي: الفية الاصول: مخطوط, ص 3

  7. عبد الله بن فودي: ايداء النسوخ , مخطوط, ص 4

  8. ابن فودي، عبد الله بن محمد بن عثمان: العلامة، تفسير ضياء التأويل في معاني التنزيل، مطبعة الاستقامة بالقاهرة، سنة 1961م/1380هـ، الجزء الأول، ص: 4

  9. على ابوبكر: الدكتور، الثقافة العربية في نيجيريا، ط2، سنة 2014, ص303

  10. على أبوبكر : الدكتور، المرجع نفسه، ص 303 إلى 324

  11. على أبوبكر : الدكتور، المرجع نفسه، ص 303 إلى 324

  12. قاله: الأستاذ أبوبكر محمود غمي -رحمه الله – في معرض حديثه عن ترجمة المؤلف، ينظر: ابن فودي، عبد الله بن محمد بن عثمان: العلامة، تفسير ضياء التأويل في معاني التنزيل، مطبعة الاستقامة بالقاهرة، سنة 1961م/1380هـ، الجزء الأول، ص: 3

  13. ابن فودي، عبد الله بن محمد بن عثمان: العلامة، تفسير ضياء التأويل في معاني التنزيل، مطبعة الاستقامة بالقاهرة، سنة 1961م/1380هـ، الجزء الأول، ص: 7

  14. سورة البقرة، الآية: 35

  15. ابن فودي، عبد الله بن محمد بن عثمان: العلامة، تفسير ضياء التأويل في معاني التنزيل، مرجع سابق، ص: 25

  16. دليل السالك إلى ألفية ابن مالك (2/ 168)

  17. ومن أمثلة ذلك قوله عند تفسيره لسورة المائدة، الآية: 69، عند قوله تعالى: {نَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ}: فقال: "ويحتمل ارتفاع الصائبون على الابتداء، والخبر محذوف على ما اختاره سيبويه، أي كذلك على حدّ". ينظر: ابن فودي، عبد الله بن محمد بن عثمان: العلامة، تفسير ضياء التأويل في معاني التنزيل، مطبعة الاستقامة بالقاهرة، سنة 1961م/1380هـ، الجزء الأول، ص: 247. 

  18. سورة البقرة، الآية: 41

  19. ابن فودي، عبد الله بن محمد بن عثمان: العلامة، تفسير ضياء التأويل في معاني التنزيل، مطبعة الاستقامة بالقاهرة، سنة 1961م/1380هـ، الجزء الأول، ص: 28

  20. سورة مريم، الآية 62.

  21. ابن فودي، عبد الله بن محمد بن عثمان: العلامة، تفسير ضياء التأويل في معاني التنزيل، الجزء الثالث، مرجع سابق، ص: 36

  22. الفخر الرازي، محمد بن عمر بن الحسين الرازي الشافعي، تفسير الفخر، دار النشر / دار إحياء التراث العربى، ج1، ص: 2997

  23. سورة البقرة، الآية: 198

  24. ابن فودي، عبد الله بن محمد بن عثمان: العلامة، تفسير ضياء التأويل في معاني التنزيل، الجزء الثاني، مرجع سابق، ص: 77

  25. الطبري، محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر، جامع البيان في تأويل القرآن، تحقيق: أحمد محمد شاكر،  مؤسسة الرسالة، ط1، 1420 هـ - 2000م، ج18، ص: 330

  26. علي مالمي: الدكتور، الأستاذ عبد الله بن فودي: مذهبه ومنهجه ومصادره في النحو العربي، ص:5

  27. سورة الفاتحة، الآية: 7

  28. ابن فودي، عبد الله بن محمد بن عثمان: العلامة، تفسير ضياء التأويل في معاني التنزيل، مطبعة الاستقامة بالقاهرة، سنة 1961م/1380هـ، الجزء الأول، ص: 9

  29. أبو البقاء عبد الله بن الحسين بن عبد الله العكبري، التبيان في إعراب القرآن، تحقيق علي محمد البجاوي، نشر عيسى البابي الحلبي وشركاه، ص:10

  30. سورة الأعراف الآية 32.

  31. ابن فودي، عبد الله بن محمد بن عثمان: العلامة، تفسير ضياء التأويل في معاني التنزيل، الجزء الثاني، مرجع سابق، ص: 8

  32. ابن خالويه، أبو عبد الله الحسين بن أحمد، الحجة في القراءت السبع، دار ابن الجوزي للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى سنة 2013م، ص: 73

  33. أبو البقاء عبد الله بن الحسين بن عبد الله العكبري، إملاء ما من به الرحمن، ص: 272، مصدره: المكتبة الشاملة

  34. السمرقندي، بحر العلوم، ج: 2/ص: 107، مصدره: المكتبة الشاملة.

  35. سورة الأعراف، الآية: 132

  36. ابن فودي، عبد الله بن محمد بن عثمان: العلامة، تفسير ضياء التأويل في معاني التنزيل،الجزء الثاني، مرجع سابق، ص: 25

  37. إبراهيم عبد الله رفيدة: الدكتور، النحو وكتب التفسير، المنشأة العامة للنشر والتوزيع والإعلان، طرابلس الجماهيرية العربية الليبية الشعبية الإشتراكية، ط2، 1984م، 

  38. ابن سيده، إعراب القرآن، ج5/ص: 101، مصدره: المكتبة الشاملة

  39. سورة البقرة، الآية: 138

  40. ابن فودي، عبد الله بن محمد بن عثمان: العلامة، تفسير ضياء التأويل في معاني التنزيل، الجزء الأول، مرجع سابق، ص: 54

  41. ابن سيده، إعراب القرآن، ج1/ص: 304، مصدره: المكتبة الشاملة

  42. سورة المائدة، الآية47.

  43. ابن فودي، عبد الله بن محمد بن عثمان: العلامة، تفسير ضياء التأويل في معاني التنزيل، الجزء الأول، مرجع سابق، ص: 241

  44. ابن عاشور، تفسير التنوير والتحرير، ج4/ص: 343، مصدره: المكتبة الشاملة

  45. ابن خالويه، مرجع سابق، ص: 57

  46. ابن عاشور، تفسير التنوير والتحرير، المرجع السابق نفسه والصفحة ذاتها.

  47. سورة مريم، الآية: 6

  48. ابن فودي، عبد الله بن محمد بن عثمان: العلامة، تفسير ضياء التأويل في معاني التنزيل، الجزء الثالث، مرجع سابق، ص: 28

  49. سورة الأنعام، الآية: 91

  50. ابن خالويه، مرجع سابق، ص: 139

  51. سورة مريم الآية 62.

  52. ابن فودي، عبد الله بن محمد بن عثمان: العلامة، تفسير ضياء التأويل في معاني التنزيل، الجزء الثالث، مرجع سابق، ص: 36

  53. ابن فودي، عبد الله بن محمد بن عثمان: العلامة، تفسير ضياء التأويل في معاني التنزيل، الجزء الثالث، مرجع سابق، ص: 36

  54. الفخر الرازي، محمد بن عمر بن الحسين الرازي الشافعي، تفسير الفخر، دار النشر / دار إحياء التراث العربى، ج1، ص: 2997

     

License
CC BY-NC-ND
Creative Commons Attribution-NonCommercial-NoDerivatives 4.0 International License
صور من أثر التباين الإعرابي في تفسير ضياء التأويل في معاني التنزيل للأستاذ عبد الله بن فودي © 2026 by A. Abdulmalik, N. Ahmad Sokoto licensed under CC BY-NC-ND 4.0
All papers should be submitted electronically. All submitted manuscripts must be original work that is not under submission at another journal or under consideration for publication in another form, such as a monograph or chapter of a book. Authors of submitted papers are obligated not to submit their paper for publication elsewhere until an editorial decision is rendered on their submission. Further, authors of accepted papers are prohibited from publishing the results in other publications that appear before the paper is published in the Journal unless they receive approval for doing so from the Editor-In-Chief.
Himalayan Journal of Humanities and Cultural Studies open access articles are licensed under a Creative Commons Attribution-Share A like 4.0 International License. This license lets the audience to give appropriate credit, provide a link to the license, and indicate if changes were made and if they remix, transform, or build upon the material, they must distribute contributions under the same license as the original.
Recommended Articles
Research Article
Development of a Blended Learning Model to Increase Learning Effectiveness at University
...
Published: 10/12/2022
Download PDF
Research Article
A Study on the Current Situation and Innovation Strategies of Museum Cultural and Creative Product Development: taking Shanghai Museum as an Example
Published: 30/04/2024
Download PDF
Research Article
The Role of SEAMEO CECCEP in Creating Accessibility to Early Childhood Education in Indonesia
Published: 01/08/2024
Download PDF
Research Article
Stamp Game Intervention to Overcome Numeracy Difficulties in Slow Learner Children
Published: 30/05/2024
Download PDF
Flowbite Logo
Najmal Complex,
Opposite Farwaniya,
Kuwait.
Email: support@himjournals.com

Useful Links
Order Hard Copy
Privacy policy
Terms and Conditions
Refund Policy
Others
About Us
Team Members
Contact Us
Online Payments
Join as Editor
Join as Reviewer
Subscribe to our Newsletter
Follow us
MOST SEARCHED KEYWORDS
scientific journal
 | 
business journal
 | 
medical journals
 | 
Scientific Journals
 | 
Academic Publisher
 | 
Peer-reviewed Journals
 | 
Open Access Journals
 | 
Impact Factor
 | 
Indexing Services
 | 
Journal Citation Reports
 | 
Publication Process
 | 
Impact factor of journals
 | 
Finding reputable journals for publication
 | 
Submitting a manuscript for publication
 | 
Copyright and licensing of published papers
 | 
Writing an abstract for a research paper
 | 
Manuscript formatting guidelines
 | 
Promoting published research
 | 
Publication in high-impact journals
Copyright © Himalayan Journals . All Rights Reserved.