This research examines the techniques used in shaping the graphic works of contemporary Iraqi artists. It studies the technical, formal and aesthetic characteristics that have contributed to the development of contemporary Iraqi graphic art, focusing on how artists have employed printing techniques to produce renewed visual and semantic values. The research stems from the question of the nature of these techniques and their mechanisms in shaping the graphic works and the extent of their influence on the structural and stylistic elements of the artwork. The research adopts a descriptive-analytical approach, deemed suitable for the nature of the study. This involves analyzing selected examples of works by several contemporary Iraqi artists, based on indicators derived from the theoretical framework. These indicators include technique, material, texture, line, form, space, color, balance, rhythm, abstraction and meaning. The results show that technique is no longer merely an execution tool but has become a fundamental component in constructing the artwork and generating its meaning. The examples also reveal a clear diversity in the use and integration of engraving and printing techniques, as well as the use of texture, space and color contrast as active elements in the formal organization. The study confirmed that contemporary Iraqi artists have successfully utilized both traditional and modern techniques to develop a graphic language that combines experimentation, minimalism and cultural specificity, thus enriching the contemporary Iraqi art scene.
الفصل الاول : التعريف بالبحث
مشكلة البحث
شهد الفن الجرافيكي المعاصر تحولات واضحة في أساليب بناء المنجز الفني وتشكيله نتيجة التطور المتسارع في التقنيات والوسائط والأدوات التي أصبحت جزءاً فاعلاً من العملية الإبداعية فلم تعد التقنية في الممارسة الجرافيكية مقتصرة على كونها وسيلة لتنفيذ العمل أو إنتاج النسخة الطباعية بل غدت عنصراً بنائياً يسهم في تحديد طبيعة الشكل وملامح السطح والعلاقات الخطية واللونية والملمسية فضلاً عن دورها في توجيه الرؤية التعبيرية والجمالية للفنان. وقد أتاح هذا التحول للفنان المعاصر إمكانات متعددة في معالجة المفردة البصرية وإعادة تركيبها وتوليد صيغ تشكيلية تتجاوز الحدود التقليدية للمنجز الجرافيكي ، وبناءً على ذلك تتحدد مشكلة البحث في محاولة الكشف عن طبيعة التقنيات التي اعتمدها الفنان العراقي المعاصر في تشكيل المنجز الجرافيكي وبيان آليات توظيفها في بناء الشكل وإنتاج القيم الجمالية والتعبيرية والكشف عن أثر التنوع التقني في صياغة البنية البصرية للمنجز الجرافيكي العراقي المعاصر. ويمكن تحديد مشكلة البحث بالتساؤل الرئيس الآتي:
ما التقنيات التي أسهمت في تشكيل المنجز الجرافيكي لدى الفنان العراقي المعاصر وكيف انعكست هذه التقنيات في بناءه الشكلي والجمالي والتعبيري؟
اهمية البحث
تنبع أهمية البحث الحالي من أهمية المنجز الجرافيكي بوصفه أحد الحقول الفاعلة في مسار الفن التشكيلي العراقي المعاصر وما يتميز به من قابلية عالية للتجريب والتحول على مستوى التقنيات والأساليب وطرائق بناء الصورة. فالتقنية في الفن الجرافيكي لا تمثل إجراءً تنفيذياً محضاً وإنما تشكل جزءاً أساسياً من البنية الجمالية للمنجز لما تتركه من آثار مباشرة في طبيعة الخطوط والمساحات والملامس والتباينات والقيم الضوئية واللونية فضلاً عن دورها في تحديد الخصائص التعبيرية والاتجاهات الأسلوبية للعمل الفني. ومن هذا المنطلق تأتي أهمية البحث في سعيه إلى الكشف عن العلاقة التفاعلية بين التقنية والتشكيل وتحليل الكيفيات التي استطاع من خلالها الفنان العراقي المعاصر توظيف الإمكانات التقنية في بناء منجز جرافيكي يمتلك خصوصيته البصرية والفكرية.
وتتجلى أهمية البحث كذلك في محاولته رصد التحولات التي طرأت على تقنيات تشكيل المنجز الجرافيكي لدى الفنان العراقي المعاصر ولا سيما في ظل انتقال الممارسة الفنية من التقنيات التقليدية إلى أساليب أكثر تنوعاً وانفتاحاً على التجريب والتداخل بين الوسائط والخامات. ويسهم هذا التوجه في الكشف عن طبيعة التحولات التي أصابت مفهوم الصورة الجرافيكية وطرائق إنتاجها ومدى انعكاسها على البنية الشكلية والتعبيرية للمنجز بما يتيح قراءة التجربة الجرافيكية العراقية ضمن سياقها الفني والجمالي المعاصر.
هدف البحث
يهدف البحث الحالي الى التعرف على تقنيات تشكيل المنجز الجرافيكي لدى الفنان العراقي المعاصر .
حدود البحث
الحدود الزمانية : تم اجراء وتطبيق البحث في 2025-2026م
الحدود المكانية : العراق - بغداد
الحدود الموضوعية : تقنيات تشكيل المنجز الجرافيكي لدى الفنان العراقي المعاصر
تحديد المصطلحات
يمكن تحديد المصطلحات اجرائيا وكالاتي
التقنيات
تُعرَّف التقنية بأنها مجموعة المبادئ والوسائل التي يستعين بها الفنان لتحقيق غايته الفنية، وتشمل الطرق الخاصة باستعمال الأدوات والمواد والخامات في إنجاز العمل الفني [1]
هي مجموعة الأساليب والمهارات والإجراءات العملية التي يستخدمها الفنان في معالجة الخامة والأداة والسطح، وتحويلها إلى صياغات بصرية تحقق أهداف العمل الجمالية والتعبيرية، وهي بذلك ترتبط ارتباطاً مباشراً بطريقة بناء الشكل وإظهار خصائص المادة [2]
التعريف الاجرائي
هي مجموعة الأساليب والطرائق والمهارات والوسائل التي يعتمدها الفنان في معالجة الخامات والأدوات وتنفيذ العمل الفني، بما يحقق صياغة بصرية وجمالية تتلاءم مع طبيعة المنجز الفني ورؤية الفنان.
التشكيل
بأنه عملية إعادة صياغة العناصر والمفردات المستمدة من الواقع أو الخيال في صورة جديدة، وفق رؤية الفنان وأسلوبه الخاص في تنظيم العلاقات البصرية [3]
هو عملية تنظيم المواد والعناصر الفنية وإعادة بنائها ضمن علاقات جمالية، بحيث تتحول الخامة أو المفردة البصرية إلى صيغة فنية تحمل خصائص تعبيرية وجمالية محددة. ويشمل ذلك التعامل مع الشكل والخط واللون والملمس والفراغ بوصفها مكونات أساسية للعمل التشكيلي [4]
التعريف الاجرائي
هو عملية تنظيم وتركيب العناصر والمفردات البصرية داخل العمل الفني وفق علاقات محددة بين الخط والشكل واللون والمساحة والملمس والفراغ والكتلة، بما يؤدي إلى بناء متكامل ذي قيمة جمالية وتعبيرية.
المنجز
بأنه النتاج المتحقق عن الممارسة الإبداعية للفنان، والذي يتجسد في صورة عمل فني مكتمل تتفاعل داخله العناصر الشكلية والتقنية والتعبيرية في بنية واحدة [5]
هو نتاج العملية الفنية التي يعيد الفنان من خلالها تنظيم المواد والعناصر البصرية وصياغتها وفق رؤية خاصة، بحيث يتحول الناتج إلى بنية فنية قابلة للإدراك والتأويل وتحمل خصائص أسلوبية وجمالية مميزة [6]
التعريف الاجرائي
هو النتاج الفني المتحقق عن العملية الإبداعية، والذي يتجسد في بنية بصرية متكاملة تجمع بين العناصر التشكيلية والتقنية والفكرية، وتعكس رؤية الفنان وأسلوبه في معالجة موضوعه.
الجرافيك
بأنه الفن الذي يقوم على قطع أو حفر أو معالجة الألواح الخشبية أو المعدنية أو الحجرية أو غيرها من المواد، بهدف إعداد أسطح طباعية يمكن من خلالها الحصول على تأثيرات فنية وتشكيلية متعددة [7]
أحد مجالات الفنون التشكيلية التي تعتمد على تقنيات الحفر والطباعة في إنتاج الصورة الفنية، وتتيح للفنان معالجة الخط والمساحة والملمس والقيم اللونية من خلال الوسيط الطباعي [8]
التعريف الاجرائي
هو أحد مجالات الفنون البصرية التي تقوم على إنتاج الأعمال الفنية بواسطة تقنيات الطباعة والحفر المختلفة، مثل الحفر الغائر والبارز والحفر الإبري الجاف والطباعة الحجرية والطباعة بالشاشة الحريرية، وما يرتبط بها من أساليب معالجة السطح واللون والملمس.
الفصل الثاني : اطار نظري ودراسات سابقة
المحور الاول : اطار نظري
مفهوم الجرافيك والمنجز الجرافيكي:
يُعدّ مصطلح الجرافيك (Graphic) من المصطلحات الفنية التي ارتبطت تاريخياً بفعل الرسم والخط والتسجيل البصري ثم اتسع مدلوله مع تطور الممارسات الطباعية ليشير إلى مجموعة من الأساليب والتقنيات التي تتيح للفنان إنتاج الصورة الفنية من خلال معالجة سطح معين وإحداث أثر بصري قابل للتكرار أو التوليد بطرائق متعددة. وقد ارتبط مفهوم الجرافيك في بداياته بالخط بوصفه عنصراً أساسياً في بناء الصورة قبل أن يتطور ليشمل مجالات واسعة من الطباعة الفنية والحفر ومعالجة الأسطح فأصبح الجرافيك مجالاً قائماً بذاته ضمن الفنون التشكيلية له لغته البصرية وأدواته وتقنياته وخصائصه الجمالية المميزة [9].
ولا يمكن النظر إلى الجرافيك على أنه مجرد عملية تقنية لإنتاج نسخ متعددة من صورة واحدة إذ إن الممارسة الجرافيكية تقوم على تفاعل معقد بين الفكرة والخامة والأداة والسطح والتقنية والأثر الناتج. فالفنان حين يتعامل مع المعدن أو الخشب أو الحجر أو الشاشة أو غيرها من الأسطح لا ينقل صورة جاهزة إلى وسيط مادي وإنما يعيد صياغة الصورة وفق الإمكانات التي تفرضها طبيعة التقنية المستخدمة. ولذلك فإن الخط المحفور والمساحة المطبوعة والملمس الناتج عن الحفر أو الضغط أو التآكل والتباين بين المناطق المضيئة والمعتمة كلها عناصر تدخل في تكوين الصورة وتمنحها خصوصيتها البصرية والتعبيرية .[10]
ويأخذ مفهوم الجرافيك دلالته الفنية من طبيعة العلاقة القائمة بين الأثر والأداة والسطح؛ فالأداة لا تعمل بصورة محايدة وإنما تترك أثراً محدداً في المادة وهذا الأثر يتحول عند طباعته إلى قيمة تشكيلية تسهم في بناء المنجز. ومن هنا تتعدد إمكانات الجرافيك بتعدد التقنيات إذ تختلف الصورة الناتجة عن الحفر البارز عن تلك الناتجة عن الحفر الغائر أو الطباعة المستوية أو الشاشة الحريرية أو الطباعة الأحادية كما تختلف النتائج تبعاً لنوع الخامة ودرجة المعالجة وطبيعة الأداة وطرق توزيع الحبر والضغط والطباعة. وبذلك تصبح التقنية جزءاً من هوية العمل وليست مجرد مرحلة سابقة على اكتماله .[11]
أما المنجز الجرافيكي فيمكن النظر إليه بوصفه الحصيلة المادية والبصرية والموضوعية للعملية الإبداعية التي يوظف فيها الفنان إمكانات الجرافيك التقنية والتشكيلية لإنتاج صورة فنية تحمل بنيتها الخاصة. فالمنجز لا يقتصر على النتيجة الطباعية النهائية بل يتضمن منظومة العلاقات التي تتشكل بين العناصر البصرية والتقنية والمادية والدلالية بما يجعل العمل وحدة متكاملة تتفاعل فيها الفكرة مع المادة والأسلوب والتقنية. ومن ثم فإن قيمة المنجز الجرافيكي لا تتحدد بمدى نجاح الفنان في تنفيذ تقنية معينة فحسب وإنما بقدرته على تحويل خصائص تلك التقنية إلى إمكانات تشكيلية تسهم في بناء الرؤية الفنية [12].
ويتميز المنجز الجرافيكي بخصوصية ترتبط بإمكانية التكرار والتنوع والتجريب فعملية الطباعة تسمح بإنتاج عدد من النسخ انطلاقاً من أصل طباعي واحد غير أن هذا التكرار لا يعني بالضرورة التطابق المطلق بين النسخ؛ إذ يمكن للتدخلات التقنية والمادية أن تنتج فروقاً في كثافة الحبر والملمس والسطوح والعلاقات اللونية. كما أن بعض التقنيات ولا سيما الطباعة الأحادية والتقنيات المركبة تجعل من النسخة المطبوعة منجزاً ذا خصوصية منفردة الأمر الذي يوسع مفهوم الجرافيك من فكرة النسخ إلى مفهوم الإنتاج الفني القائم على الإمكانات المتعددة للوسيط الطباعي [13].
وفي سياق الفن المعاصر أصبح المنجز الجرافيكي أكثر انفتاحاً على التجريب نتيجة التداخل بين التقنيات التقليدية والوسائط الحديثة فلم يعد الفنان محكوماً بالحدود الصارمة للتقنيات الطباعية المعروفة بل أخذ يوظف الخامات المختلفة ويجمع أكثر من تقنية في العمل الواحد ويستفيد من التصوير والوسائط الرقمية والمعالجة الإلكترونية والطباعة الحديثة إلى جانب الإجراءات اليدوية. وقد أدى ذلك إلى ظهور منجزات جرافيكية تتصف بالتنوع في أساليب بناء الصورة وتداخل المستويات والملامس وتعدد مصادر الشكل بما يعكس التحول من مفهوم الجرافيك التقليدي إلى مفهوم أكثر اتساعاً يستوعب التجريب والتوليف والتفاعل بين الوسائط .[14]
مفهوم التقنية في الفن التشكيلي
تمثل التقنية أحد المرتكزات الأساسية في الممارسة الفنية لارتباطها بالطريقة التي تتحول بها الفكرة والتصور الذهني إلى صيغة مادية مرئية قابلة للإدراك والتلقي. ولا تنحصر التقنية في الأدوات والمواد التي يستخدمها الفنان وإنما تتصل بمجمل الإجراءات والمهارات والطرائق التي يعتمدها في معالجة المادة وتنظيم عناصر العمل الفني وتحقيق مقاصده الجمالية والتعبيرية. ومن هذا المنظور فإن التقنية تشكل حلقة وصل بين الفكرة والمادة والشكل إذ لا تكتسب المادة قيمتها الفنية إلا من خلال الطريقة التي يتعامل بها الفنان معها ولا تتحول الفكرة إلى منجز بصري إلا عبر إجراءات تقنية قادرة على منحها حضوراً مادياً وتشكلياً [15].
وقد ارتبط مفهوم التقنية في الفنون التشكيلية تاريخياً بالمهارة والخبرة في استخدام الأدوات والخامات إلا أن تطور الفكر الفني أدى إلى تجاوز هذا التصور المحدود فأصبحت التقنية تُفهم بوصفها نظاماً من العلاقات والإجراءات التي تسهم في تشكيل العمل الفني وإنتاج خصائصه البصرية. فاختيار الفنان للخامة وطريقة التعامل معها ونوع الأداة واتجاه الحركة ودرجة الضغط وطريقة توزيع اللون أو الحبر وكيفية بناء السطح كلها إجراءات تقنية لا تنفصل عن القرارات التشكيلية التي تحدد طبيعة المنجز النهائي. ولذلك فإن التقنية لا تأتي بعد الفكرة بوصفها مرحلة تنفيذية مستقلة بل تتداخل معها منذ اللحظة الأولى لتكوين العمل .[16]
وتكتسب التقنية أهميتها في الفن التشكيلي من كونها تسهم في تحديد لغة العمل الفنية؛ فلكل تقنية خصائصها وإمكاناتها التي تؤثر في شكل المنجز وملمسه وإيقاعه وتكوينه. فالعمل المنفذ بالزيت يختلف في بنيته البصرية عن العمل المنفذ بالألوان المائية والعمل النحتي المنجز بالخشب يختلف عن المنجز بالمعدن كما أن المنجز الجرافيكي الناتج عن الحفر أو الطباعة بالشاشة الحريرية أو الطباعة الأحادية يمتلك خصائص تشكيلية مرتبطة بطبيعة التقنية المستخدمة. ومن هنا لا تكون التقنية مجرد وسيلة للوصول إلى الشكل بل تصبح عاملاً مشاركاً في إنتاج الشكل ذاته .[17]
وفي هذا السياق يمكن التمييز بين التقنية بوصفها مهارة أدائية والتقنية بوصفها اختياراً جمالياً. ففي المستوى الأول ترتبط التقنية بقدرة الفنان على السيطرة على الأدوات والخامات وتنفيذ الإجراءات اللازمة لإنجاز العمل بينما تتجاوز في المستوى الثاني حدود المهارة إلى اختيار التقنية التي تتوافق مع طبيعة الفكرة والرؤية الفنية. وقد يختار الفنان تقنية معينة لما تمنحه من آثار وملامس وتباينات وليس لمجرد سهولة استخدامها وبذلك يتحول الاختيار التقني إلى موقف جمالي يسهم في تحديد هوية المنجز وخصوصيته .[18]
كما أن التقنية في الفن التشكيلي ترتبط ارتباطاً وثيقاً بمفهوم التجريب؛ إذ إن الفنان المعاصر لم يعد يلتزم دائماً بالطرق التقليدية المعروفة وإنما اتجه إلى اختبار إمكانات الخامات والأدوات والجمع بين تقنيات متعددة وإعادة توظيف المواد خارج سياقاتها المعتادة واستثمار المصادفة والأثر الناتج عن المعالجة في بناء الصورة. ويؤدي هذا التجريب إلى توسيع المجال التشكيلي للعمل الفني بحيث تصبح التقنية مجالاً لاكتشاف إمكانات جديدة في الشكل والملمس واللون والفضاء وليس مجرد مجموعة من القواعد الثابتة التي ينبغي الالتزام بها.
وقد أسهمت التحولات التي شهدها الفن المعاصر في إعادة صياغة مفهوم التقنية ولا سيما مع ظهور الوسائط الجديدة والتكنولوجيا الرقمية وتعدد أشكال التداخل بين الفنون. فأصبح الفنان قادراً على الجمع بين الرسم والتصوير والطباعة والمعالجة الرقمية والتوليف والخامات المتنوعة في منجز واحد مما أدى إلى ظهور تقنيات هجينة يصعب تصنيفها ضمن الحدود التقليدية للفنون. وفي مجال الجرافيك تحديداً أدى هذا التحول إلى اتساع مفهوم التقنية من الحفر والطباعة التقليدية إلى التوليف بين الوسائط اليدوية والرقمية الأمر الذي منح الفنان إمكانات أوسع في تشكيل الصورة وإعادة إنتاجها وتحويلها .[19]
وتتضح أهمية التقنية بصورة أكبر عندما ترتبط بمفهوم المنجز الفني إذ إن الأثر الذي تتركه التقنية على سطح العمل يتحول إلى قيمة تشكيلية قابلة للإدراك. فالخط الناتج عن حركة الأداة والملمس الناتج عن طبيعة الخامة والتفاوت في كثافة اللون والتباين بين السطوح وآثار الحذف والإضافة والكشط والطبع كلها مؤشرات تكشف عن حضور التقنية داخل بنية العمل. ومن ثم يمكن قراءة التقنية من خلال آثارها المادية والبصرية كما يمكن قراءة أسلوب الفنان من خلال الطريقة التي يعالج بها تلك الآثار ويوظفها في تنظيم عناصر المنجز .[20]
وبالنسبة إلى الفن الجرافيكي تكتسب التقنية أهمية استثنائية لأنها ترتبط مباشرة بعملية تشكيل الصورة وإنتاج أثرها الطباعي. فاختيار نوع الحفر أو الطباعة ونوع السطح الطباعي وطريقة إعداد القالب وآلية توزيع الحبر ومستوى الضغط وطريقة الطباعة كلها عوامل تؤثر في النتيجة النهائية. ولذلك فإن التقنية الجرافيكية لا يمكن فصلها عن البنية التشكيلية للمنجز لأنها تشارك في تحديد خصائص الخط والمساحة والملمس والقيمة الضوئية واللونية وتمنح العمل سماته الأسلوبية والتعبيرية وعلى هذا الأساس يمكن النظر إلى التقنية في الفن التشكيلي بوصفها منظومة معرفية وأدائية وجمالية تتضمن الأدوات والخامات والإجراءات والمهارات والاختيارات التي يوظفها الفنان في تحويل رؤيته الفكرية والجمالية إلى منجز بصري بما يجعل التقنية عنصراً فاعلاً في بناء الشكل وإنتاج القيمة التعبيرية والجمالية للعمل وليس مجرد وسيلة محايدة لتنفيذه. ويشكل هذا التصور مدخلاً أساسياً لفهم تقنيات تشكيل المنجز الجرافيكي لدى الفنان العراقي المعاصر إذ يسمح بتحليل التقنية بوصفها جزءاً من بنية العمل والكشف عن الكيفية التي تتحول بها خصائصها المادية إلى مكونات تشكيلية ودلالية داخل المنجز الفني [21].
تقنيات تشكيل المنجز الجرافيكي
تمثل تقنيات تشكيل المنجز الجرافيكي منظومة إجرائية وجمالية تتداخل فيها طبيعة الخامة مع خصائص الأداة وآليات المعالجة ومهارة الفنان ورؤيته التشكيلية إذ لا تتحدد هوية العمل الجرافيكي بالموضوع الذي يتناوله فحسب وإنما تتشكل بدرجة كبيرة من خلال الطريقة التي يعالج بها الفنان السطح الطباعي ويولد الأثر وينظم العلاقات بين الخط والمساحة والملمس والقيم الضوئية واللونية. ومن ثم فإن التقنية الجرافيكية لا ينبغي أن تُفهم بوصفها مجموعة من الأساليب الميكانيكية لإنتاج الطبعة بل بوصفها لغة تشكيلية يمتلك كل أسلوب فيها إمكاناته الخاصة في بناء الصورة وإنتاج أثرها الجمالي والتعبيري [22].
وتتأسس الممارسة الجرافيكية التقليدية على وجود وسيط أو سطح يتم إعداد الصورة عليه ثم نقلها إلى سطح آخر من خلال الحبر أو اللون والضغط بطرائق مختلفة. وقد أدى تعدد هذه الوسائط إلى ظهور مجموعة واسعة من التقنيات تختلف فيما بينها من حيث طبيعة السطح الطباعي وآلية تشكيل الصورة وموقع الحبر وطريقة انتقاله إلى الورق. ويمكن تصنيف أبرز تقنيات تشكيل المنجز الجرافيكي ضمن مجموعات رئيسة تتمثل في الطباعة البارزة والطباعة الغائرة والطباعة المستوية والطباعة بالشاشة الحريرية والطباعة الأحادية فضلاً عن التقنيات المركبة والتقنيات الرقمية المعاصرة [23].
تقنيات الطباعة البارزة
تُعد الطباعة البارزة من أقدم الأساليب الجرافيكية وأكثرها ارتباطاً بفكرة الحذف والإبقاء إذ تقوم على إعداد سطح طباعي تكون فيه الأجزاء المراد طباعتها في مستوى أعلى من الأجزاء المحذوفة. وعند وضع الحبر على السطح البارز ثم ضغطه على الورق تنتقل الأجزاء المشحونة بالحبر لتكوين الصورة. وتتيح هذه التقنية للفنان بناء تكوينات تعتمد على وضوح الخطوط والمساحات والتباين بين المناطق المطبوعة وغير المطبوعة [24].
وتتعدد الخامات المستخدمة في هذا النوع من الطباعة ومن أبرزها الخشب واللينوليوم وبعض المواد الاصطناعية ويؤثر نوع السطح في طبيعة الأثر الناتج؛ فالخشب على سبيل المثال يمكن أن يترك أثراً يرتبط باتجاه أليافه وبنيته الطبيعية بينما يوفر اللينوليوم سطحاً أكثر انتظاماً يسمح بمعالجات خطية ومساحية مختلفة. ولهذا فإن المادة لا تكون مجرد حامل للصورة بل تشارك في صياغتها النهائية إذ يمكن للفنان أن يستثمر طبيعة الألياف أو خشونة السطح أو آثار الحذف في بناء قيم جمالية خاصة .[25]
وتتميز الطباعة البارزة بقدرتها على إنتاج تكوينات ذات حضور قوي للخط والكتلة والتباين كما تتيح للفنان التعامل مع المساحات البيضاء والسوداء بوصفها مكونات متفاعلة في بناء الصورة. وقد أدى ذلك إلى توظيفها في العديد من الاتجاهات الفنية التي تعتمد الاختزال والتبسيط والتجريد والتعبير المباشر فضلاً عن إمكانية الإفادة منها في إنتاج تكوينات ذات طابع رمزي أو تعبيري [26].
تقنيات الطباعة الغائرة
تقوم الطباعة الغائرة على مبدأ مخالف للطباعة البارزة؛ إذ تتكون الصورة داخل الحفر أو الشقوق الغائرة في السطح الطباعي بينما يُمسح سطح اللوح بحيث يبقى الحبر داخل المناطق المحفورة ثم ينتقل إلى الورق بفعل الضغط. ومن أهم تقنياتها الحفر الجاف والحفر بالحامض والأكواتنت والميزوتنت وغيرها من الأساليب التي تمنح الفنان إمكانات واسعة في إنتاج الخطوط الدقيقة والتدرجات والقيم الملمسية [27].
وتتصف هذه التقنيات بقدرتها على إنتاج مستويات متنوعة من الكثافة والشفافية والتدرج الأمر الذي يجعلها مناسبة لبناء تكوينات غنية بالتفاصيل والظلال والملامس. ففي الحفر الجاف مثلاً يترك السن أو الأداة أثراً مباشراً في المعدن وقد ينتج عن ذلك حافة دقيقة تحمل خصائص ملمسية مميزة في حين تتيح تقنيات الحفر بالأحماض للفنان التحكم في عمق الخط ودرجة تأثيره من خلال زمن التعريض والمعالجة. أما الأكواتنت فتمنح إمكانات واسعة في بناء المساحات النغمية والتدرجات مما يوسع القدرة التعبيرية للصورة الجرافيكية ومن الناحية التشكيلية تتيح الطباعة الغائرة للفنان بناء علاقات دقيقة بين الخط والظل والملمس وتحويل السطح المعدني إلى مجال غني بالتباينات البصرية. ولذلك ارتبطت هذه التقنيات بالتجريب في بناء الفضاء والصورة وبالقدرة على الجمع بين التفاصيل الدقيقة والمناطق النغمية الواسعة الأمر الذي يمنح المنجز الجرافيكي عمقاً بصرياً وتعبيرياً [28].
تقنيات الطباعة المستوية
تعتمد الطباعة المستوية على مبدأ اختلاف قابلية السطح لاستقبال الحبر دون الحاجة إلى إحداث بروز أو انخفاض مادي واضح في السطح الطباعي. وتعد الطباعة الحجرية (Lithography) من أبرز تطبيقاتها حيث تقوم على التنافر بين الماء والمواد الدهنية بما يسمح بتحديد المناطق التي تستقبل الحبر والمناطق التي ترفضه وتتميز هذه التقنية بمرونة عالية في التعامل مع الخط والمساحة والقيم اللونية كما تتيح للفنان تحقيق تأثيرات قريبة من الرسم اليدوي الأمر الذي جعلها مجالاً مهماً للتفاعل بين الرسم والطباعة. ويستطيع الفنان من خلالها بناء خطوط متفاوتة في القوة ومساحات لونية ونغمية متعددة وتكوينات تجمع بين العفوية والتنظيم وهو ما يمنح المنجز الجرافيكي قدرة واسعة على التعبير عن الحالات النفسية والموضوعات الإنسانية والاجتماعية [29].
تقنية الطباعة بالشاشة الحريرية
تقوم الطباعة بالشاشة الحريرية على تمرير الحبر من خلال أجزاء مفتوحة من شبكة دقيقة في حين تُغلق الأجزاء الأخرى وفق التصميم المعد مسبقاً. وقد اكتسبت هذه التقنية حضوراً واسعاً في الفن المعاصر بسبب قدرتها على إنتاج مساحات لونية واضحة ونقية وإمكانية تكرار الصورة وتعدد طبقاتها وألوانها وتتيح الشاشة الحريرية للفنان التعامل مع اللون بوصفه عنصراً بنائياً أساسياً إذ يمكن إنتاج مساحات واسعة ومسطحة أو تركيب عدة طبقات من الألوان أو الجمع بين الصور الفوتوغرافية والعناصر المرسومة والمطبوعات. كما يمكن توظيفها ضمن الأعمال المركبة التي تجمع بين أكثر من وسيط مما جعلها مناسبة للاتجاهات الفنية التي تعتمد الاختزال والتكرار والتراكب والتضاد اللوني والصورة ذات الطابع الإعلاني أو الإعلامي [30].
تقنية الطباعة الأحادية
تتميز الطباعة الأحادية بخصوصية تجعلها مختلفة عن كثير من التقنيات الجرافيكية التي تقوم على إنتاج نسخ متعددة من القالب نفسه؛ إذ تسعى هذه التقنية إلى إنتاج طبعة واحدة ذات خصائص منفردة وإن كان بالإمكان في بعض الحالات الحصول على آثار متعددة أو متقاربة. ويعتمد الفنان فيها على معالجة سطح أملس بالحبر أو اللون ثم نقل الأثر إلى الورق بطرق مختلفة ويمكن أن تتضمن العملية الرسم المباشر على السطح أو المسح أو الإضافة أو الضغط أو التعديل أثناء الطباعة وتوفر الطباعة الأحادية مجالاً واسعاً للمصادفة والتجريب لأن الأثر الناتج لا يمكن التحكم فيه بصورة مطلقة كما أن اختلاف كمية الحبر والضغط وطريقة ملامسة الورق للسطح يمكن أن ينتج تأثيرات غير متوقعة. ولهذا أصبحت التقنية وسيلة مناسبة للفنان الذي يسعى إلى بناء منجز يتسم بالعفوية والحساسية الملمسية والتحول المستمر في الصورة .[31]
التقنيات المركبة والتوليفية
أدى تطور الممارسة الجرافيكية إلى ظهور اتجاهات تقوم على دمج أكثر من تقنية وخامة في المنجز الواحد بحيث لا يلتزم الفنان بحدود تقنية منفردة وإنما يستثمر الخصائص المتباينة لكل تقنية لتحقيق نتيجة تشكيلية أكثر تعقيداً. فقد يجمع الفنان بين الحفر والطباعة البارزة والشاشة الحريرية أو بين الطباعة اليدوية والمواد المضافة أو يوظف الورق والقماش والمواد المختلفة داخل العمل وتكمن أهمية التقنيات المركبة في أنها تمنح الفنان حرية أكبر في بناء السطح وإنتاج التباين بين المستويات والملامس. كما تسمح بإعادة تنظيم الصورة وتفكيكها وتركيبها وتوفر إمكانات للتراكب والحذف والإضافة والكشط والتلوين الأمر الذي يجعل المنجز الجرافيكي مجالاً مفتوحاً للتجريب. وفي هذا السياق تصبح الخامة ذاتها جزءاً من الخطاب الفني ويصبح الأثر الناتج عن التفاعل بين المواد والتقنيات قيمة تشكيلية مستقلة [32]
التقنيات الجرافيكية الرقمية
أحدثت التكنولوجيا الرقمية تحولاً مهماً في مفهوم الجرافيك إذ أصبح بالإمكان إنتاج الصورة ومعالجتها وتعديلها وتوليف عناصرها باستخدام الحاسوب والبرمجيات المتخصصة ثم إخراجها عبر تقنيات الطباعة الرقمية المختلفة. وقد أتاحت هذه التحولات للفنان إمكانات واسعة في معالجة الصورة مثل التكبير والتصغير والتكرار والتراكب والتعديل اللوني والتحوير الشكلي والدمج بين الصور الفوتوغرافية والعناصر المرسومة ولا يعني دخول التقنية الرقمية إلغاء التقنيات التقليدية بل أدى في كثير من التجارب المعاصرة إلى قيام علاقة تفاعلية بينهما. فقد يبدأ الفنان العمل بمعالجة يدوية ثم ينقلها إلى البيئة الرقمية أو يستخدم الصورة الرقمية بوصفها أساساً لعمل مطبوع تقليدي أو يجمع بين الأثر اليدوي والطبعة الرقمية في منجز واحد. وبذلك أصبح الجرافيك المعاصر أكثر انفتاحاً على مفهوم التداخل بين الوسائط وأصبح تشكيل الصورة عملية قابلة للتحوير المستمر.[33]
المحور الثاني : دراسات سابقة
دراسة إلهام صبحي عبد (2014):
عبد، إلهام صبحي. (2014). التداول في فن الجرافيك ومخرجاته المعاصرة. مجلة الأستاذ للعلوم الإنسانية والاجتماعية، العدد (211)، المجلد الأول، جامعة بغداد
تناولت الدراسة التحولات التي طرأت على فن الجرافيك ومخرجاته المعاصرة، مع التركيز على أثر التطورات التقنية والتعدد النسخي والطباعي في انتشار الفن الجرافيكي وتحوله إلى وسيط فاعل في الاتصال البصري. كما تناولت عدداً من التقنيات الجرافيكية، ومنها الطباعة من السطح البارز، والطباعة من السطح الغائر، والطباعة على السطح المستوي، والطباعة النافذة (الشاشة الحريرية)، فضلاً عن انتقال الجرافيك إلى مجالات الحاسوب والتقنيات الحديثة. وأكدت الدراسة أن تعدد التقنيات أتاح للفنان إمكانات تعبيرية وتشكيلية واسعة، وأن التطور التقني أسهم في تغيير طبيعة المخرجات الجرافيكية وطرائق عرضها وتداولها.
دراسة رشا شافي عبد السادة جبر (2019)
جبر، رشا شافي عبد السادة. (2019). تقنيات الصورة الرقمية ودورها على الرسوم التوضيحية في الجرافيك الرقمي. مجلة لارك للفلسفة واللسانيات والعلوم الاجتماعية، المجلد (11)، العدد (4)،
بحثت الدراسة في توظيف التقنيات والبرامج الرقمية بوصفها أدوات إبداعية في إنتاج الصورة الجرافيكية، وتناولت مفهوم الصورة الرقمية والفن الرقمي والرسوم التوضيحية، فضلاً عن عدد من البرامج المستخدمة في إنتاج ومعالجة الصور الجرافيكية، ومنها Photoshop وMS Paint وArtRage. وخلصت إلى أن التقنيات الحديثة أثرت بصورة إيجابية في الرسوم التوضيحية وأسهمت في إثراء العملية الإبداعية للفنان، كما أكدت أن التقنية الرقمية تؤدي دوراً مهماً في إضفاء قيم جمالية على الرسوم التوضيحية في المطبوعات الجرافيكية.
دراسة أحمد جمال أحمد عيد (2025)
عيد، أحمد جمال أحمد. (2025). تقنيات الإظهار في التصميم الجرافيكي المعاصر. مجلة العمارة والفنون والعلوم الإنسانية، المجلد (10)، العدد (51)، مايو 2025
تناولت الدراسة مفهوم عملية الإظهار في التصميم الجرافيكي المعاصر وكيفية توظيف تقنيات الإظهار في بناء التصميم، مع التركيز على المتغير التقني والجمالي وأساليب إظهار السطح البصري، ولا سيما في الطبعة الفنية. واهتمت الدراسة بالكشف عن الكيفية التي تسهم بها تقنيات الإظهار المتنوعة في تشكيل السطح البصري وإضافة أبعاد جمالية إلى التصميم الجرافيكي المعاصر، كما ناقشت المرجعيات الفكرية والجمالية للتقنيات بوصفها مكونات مؤسسة لفنون الجرافيك المعاصرة.
مؤشرات الإطار النظري
بعد مراجعة الأدبيات والمفاهيم المرتبطة بفن الجرافيك وتقنياته وتطور المنجز الفني العراقي المعاصر أمكن اشتقاق مجموعة من المؤشرات التي تمثل الأساس النظري لتحليل النماذج الفنية المختارة في البحث وتتمثل في الآتي:
نوع التقنية والخامة المستخدمة وأثرهما في بناء المنجز الجرافيكي.
أساليب الحفر والطباعة المعتمدة وخصائصها في تشكيل العمل.
أشكال الخطوط واتجاهاتها وكثافتها ودورها في بناء التكوين.
طبيعة الأشكال المستخدمة، ولا سيما الهندسية والتجريدية والرمزية.
توظيف اللون والتباين بين القيم الضوئية في تحقيق التأثير البصري.
توظيف الملمس الناتج عن الأدوات والتقنيات في إثراء سطح المنجز.
تنظيم العلاقة بين المساحات الموجبة والسالبة والكتل داخل التكوين.
تحقيق التوازن والوحدة والإيقاع والحركة بين عناصر المنجز.
مدى اعتماد الفنان على تبسيط الأشكال واختزال التفاصيل وإعادة بناء الصورة.
توظيف الرموز والإيحاءات والمرجعيات الثقافية في التعبير عن الرؤية الفنية والخصوصية العراقية.
الفصل الثالث: إجراءات البحث وتحليل العينات
أولاً: مجتمع البحث: يتكون مجتمع البحث من مجموعة المنجزات الجرافيكية التي أنجزها الفنانون العراقيون المعاصرون والتي تكشف عن تنوع واضح في الأساليب والتقنيات المستخدمة في بناء الصورة الجرافيكية سواء أكانت من خلال تقنيات الحفر الغائر والبارز أو الطباعة الحجرية والشاشة الحريرية أو التقنيات المختلطة فضلاً عن التجارب التي تجمع بين التقنيات التقليدية والمعالجات المعاصرة. وقد تم التركيز في اختيار المجتمع على الأعمال التي تظهر فيها التقنية بوصفها عنصراً فاعلاً في تشكيل البنية البصرية للمنجز وليس مجرد وسيلة لإنتاج الصورة.
ثانياً: عينة البحث
تم اختيار عينة قصدية من المنجزات الجرافيكية للفنانين العراقيين المعاصرين وذلك استناداً إلى مجموعة من المعايير في مقدمتها وضوح التقنية المستخدمة في بناء العمل ووجود تنوع في طرائق المعالجة الجرافيكية وإمكانية الكشف عن العلاقة بين التقنية والعناصر التشكيلية فضلاً عن تمثيل العينة لاتجاهات مختلفة في التجربة الجرافيكية العراقية المعاصرة.
ويمكن أن تتكون العينة النهائية من (3) أعمال فنية على أن تمثل كل عينة تقنية أو معالجة مختلفة قدر الإمكان حتى يكون التحليل أكثر قوة من الناحية النقدية والمنهجية.
ثالثاً: منهج البحث
اعتمد البحث المنهج الوصفي التحليلي في تحليل نماذج العينة لملاءمته لطبيعة البحث الذي يتجه إلى الكشف عن تقنيات تشكيل المنجز الجرافيكي لدى الفنان العراقي المعاصر وتحليل الكيفية التي أسهمت بها التقنية في بناء العناصر الشكلية والجمالية والتعبيرية للعمل.
ويتم تحليل كل عمل وفق محاور ثابتة تشمل:
بيانات العمل التقنية الوصف العام العناصر التشكيلية آليات توظيف التقنية العلاقة بين التقنية والشكل والقيم الجمالية والتعبيرية المتحققة في المنجز.
رابعاً: تحليل نماذج العينة
رافع الناصري
اسم العمل: تكوين جرافيكي / أفق وحروفية
التقنية: حفر غائر ومختلط (Etching & Aquatint / Mixed Media on Paper)
يتجلى في عمل الناصري التوازُن الفائق بين اختزال الفضاء الشرقي والتجسيد الحروفي التجريدي. يعتمد الفنان على تقنية Aquatint لإيجاد تدرجات ظليّة ناعمة وملمس ورقي إثري مع إدخال ضربات حادة وسريعة من الحرف العربي الذي لا يُقرأ ككلمة بقدر ما يُستحضر كقوة بصرية وهندسية داخل المنجز.
التحليل التشكيلي والتقني
يقدم هذا المنجز الجرافيكي لدى الفنان العراقي رافع الناصري تجربة تشكيلية تقوم على بناء صورة مركبة تتداخل فيها المساحات الهندسية مع العلامات الخطية والكتابية والعناصر اللونية بما يكشف عن خصوصية واضحة في التعامل مع سطح العمل بوصفه فضاءً مفتوحاً للتجريب والتراكب. ويظهر التكوين منذ الوهلة الأولى مستنداً إلى كتلة سوداء كبيرة ذات امتداد أفقي ورأسي تتوسط المجال البصري وتفرض حضورها على بقية العناصر إلا أن هذه الكتلة لا تبدو مغلقة بصورة نهائية إذ تتخللها فتحات ومساحات تكشف عن طبقات لونية وخطية تقع خلفها الأمر الذي يخلق علاقة مركبة بين الحجب والإظهار والامتلاء والفراغ والسطح والعمق.
وتتأسس البنية العامة للعمل على أشكال هندسية واضحة ولا سيما المستطيل والدوائر والمساحات الأفقية والرأسية غير أن هذه الهندسية لا تأتي في صورة نظام رياضي صارم وإنما تتداخل مع بقع لونية حرة وآثار تبدو أكثر عفوية مما ينتج توتراً تشكيلياً بين النظام الهندسي والعفوية التعبيرية. ويبدو أن الفنان يستثمر هذا التناقض لإنتاج فضاء بصري لا يستند إلى المنظور التقليدي بل إلى تراكب المستويات والعلامات بحيث يتحول السطح الورقي إلى فضاء متعدد الطبقات.
وتكتسب الكتلة السوداء الرئيسة أهمية محورية في بناء المنجز؛ فهي تشكل الثقل البصري الأكبر وتعمل في الوقت نفسه كإطار يحتوي عدداً من الفراغات الداخلية. ويؤدي اللون الأسود هنا وظيفة تتجاوز قيمته اللونية إذ يتحول إلى عنصر بنائي يفصل بين أجزاء التكوين ويؤكد التباين مع المساحات الفاتحة والألوان الترابية المحيطة به. كما أن امتداد الكتلة السوداء باتجاه اليمين يمنح التكوين حركة أفقية واضحة في حين يؤدي امتدادها الرأسي إلى الأسفل إلى تثبيت مركز الثقل داخل العمل.
أما الألوان فتتسم بسيادة مجموعة من القيم الترابية مثل البني والبرتقالي والأحمر الداكن إلى جانب الأسود وبياض الورق. ويؤدي هذا الاختيار اللوني إلى خلق مناخ بصري دافئ كما يربط بين العناصر المختلفة داخل العمل من خلال التقارب النغمي. وتظهر بعض المساحات البرتقالية والبنية خلف الكتلة السوداء فتعمل بوصفها طبقات بصرية سابقة أو موازية للكتلة الرئيسة بينما تبرز الدائرة الحمراء الداكنة في الجانب الأيمن بوصفها بؤرة لونية مغايرة نسبياً لبقية التكوين.
وتكشف الدائرة الموجودة في الجانب الأيمن عن معالجة تشكيلية لافتة؛ فهي لا تظهر بوصفها شكلاً هندسياً خالصاً وإنما تحتوي على علامات وخطوط وحروفية عربية ذات كثافة بصرية عالية. وبذلك تصبح الدائرة بمثابة مساحة داخل مساحة أو طبقة تشكيلية مستقلة تتقاطع مع البناء الهندسي العام. ويؤدي التداخل بين الدائرة والكتلة السوداء إلى كسر استقرار الأشكال الهندسية وإنتاج علاقة بين الشكل الدائري والامتداد المستطيل.
وتحضر الحروف والعلامات العربية في أكثر من موضع داخل العمل إلا أنها لا تؤدي وظيفة كتابية مباشرة بقدر ما تتحول إلى عناصر تشكيلية. ويبدو الحرف في هذه التجربة جزءاً من نظام بصري قائم على الاختزال والإشارة إذ يمكن إدراك بعض العلامات الكتابية دون أن يكون فهم النص أو قراءته هو الغاية الأساسية. وهذا التحول من الحرف بوصفه لغة إلى الحرف بوصفه شكلاً يمنح المنجز بعداً حروفياً واضحاً ويجعل العلامة الكتابية عنصراً من عناصر التكوين إلى جانب الخط واللون والمساحة.
ومن الناحية التقنية يكشف العمل عن التراكب الطباعي واللوني من خلال تعدد مستويات السطح؛ فهناك مساحات ذات كثافة لونية مختلفة وبقع دائرية متناثرة وآثار خطية وكتل هندسية إضافة إلى مساحة تشبه وثيقة أو صفحة مكتوبة تظهر في الجهة اليمنى من العمل. ويؤدي هذا التراكب إلى إلغاء فكرة السطح الواحد لصالح سطح متعدد المستويات حيث تتجاور العلامة مع اللون والنص والشكل الهندسي في بنية واحدة.
وتبرز الملامس بصورة خاصة في بعض المناطق الملونة إذ لا تبدو المساحات متجانسة تماماً بل تحتوي على تفاوت في الكثافة والأثر بينما تظهر البقع الدائرية الصغيرة بوصفها علامات إيقاعية موزعة في أجزاء مختلفة من العمل. وتؤدي هذه العلامات وظيفة موازنة للكتلة السوداء الكبيرة إذ تخفف من ثقلها البصري وتخلق حركة موزعة في الفضاء المحيط بها.
كما أن إدخال صورة أو مساحة كتابية شبه وثائقية في الجانب الأيمن يمثل تقنية تشكيلية ذات دلالة لأنه يفتح المنجز على المرجع الثقافي والتاريخي ويجعل الكتابة جزءاً من ذاكرة الصورة. ولا تُستخدم هذه المساحة بوصفها نصاً مستقلاً بل بوصفها أثراً بصرياً يحمل إيحاءً بالوثيقة والذاكرة والمرجع وهو ما ينسجم مع طبيعة تجربة الناصري في استحضار الحرف والموروث الثقافي ضمن بناء معاص
وتكشف العلاقة بين الأجزاء عن اعتماد الفنان على التوازن غير المتماثل؛ فالكتلة السوداء الضخمة تتركز في القسم الأوسط والأعلى بينما تقابلها الدائرة الحمراء والعلامات والصفحة الكتابية في الجانب الأيمن وتنتشر البقع اللونية الصغيرة في الجانب الأيسر. وبذلك لا يتحقق التوازن من خلال التماثل وإنما من خلال توزيع الأوزان البصرية المختلفة داخل المجال.
ومن منظور البحث الحالي تكشف هذه العينة أن التقنية ليست منفصلة عن عملية التشكيل بل تسهم في إنتاجها بصورة مباشرة؛ فالتراكب وتعدد المستويات وتنوع الملامس وتجاور اللون مع الأثر الخطي والحرفي كلها ناتجة عن طريقة معالجة السطح. كما أن استخدام الكتل الهندسية إلى جانب العلامات الحرة والحروفية يكشف عن توظيف التقنية لإنتاج نوع من الحوار بين الهندسة والتعبير وبين النظام والعفوية وبين التراث والمعالجة المعاصرة.
ضياء العزاوي
اسم العمل: رجل على حصان (Man on Horse)
التقنية: طباعة حجرية / شاشية ملونة على ورق (Lithograph / Serigraphy in colours on paper)
التحليل التشكيلي والتقني
يمثل منجز رجل على حصان للفنان العراقي ضياء العزاوي نموذجاً واضحاً للتفاعل بين البنية الجرافيكية والتعبير التشكيلي إذ يستند العمل إلى صياغة شكلية تجمع بين الإنسان والحيوان ضمن تكوين واحد تتداخل فيه الكتلة والخط واللون والملمس. ويبدو الفارس والحصان في حالة من الالتحام البنيوي بحيث يصعب الفصل بين حدود الجسد الإنساني والكتلة الحيوانية وهو ما يمنح الصورة طابعاً تركيبياً يتجاوز النقل الواقعي للمشهد باتجاه إعادة بناء المفردة وفق رؤية تعبيرية ذات كثافة بصرية.
ويحتل الشكل المركزي معظم مساحة المنجز الأمر الذي يمنحه حضوراً مسيطراً داخل المجال التصويري في حين يتراجع الفضاء المحيط إلى خلفية ذات مساحات لونية واسعة. وقد اعتمد الفنان على التكوين المركزي في تثبيت الشخصية داخل العمل مع توجيه حركة الشكل من الجزء العلوي الذي يستقر فيه رأس الرجل إلى الكتلة الممتدة للحصان في الأسفل الأمر الذي يولد مساراً بصرياً متدرجاً داخل التكوين. ولا تبدو الأشكال مرسومة وفق منظور واقعي تقليدي وإنما جرى تحويرها واختزالها بما يخدم الطابع التعبيري للمنجز.
وتظهر فاعلية الخط بوصفه أحد أهم العناصر المؤسسة للعمل؛ إذ تحيط الخطوط السوداء الكثيفة بحدود الرجل والحصان وتخترق بعض أجزاء الجسد لتحديد تفاصيل الوجه والشعر والملابس وعضلات الحيوان. ويختلف حضور الخط من موضع إلى آخر فهو في بعض المناطق حاد ومحدد بينما يتحول في مناطق أخرى إلى مجموعة من الخطوط المتشابكة والكثيفة التي تنتج ملمساً بصرياً غنياً. وبهذا لا يعمل الخط بوصفه وسيلة لتحديد الشكل فقط وإنما يتحول إلى عنصر تعبيري يرفع من حدة التكوين ويؤكد طابعه الجرافيكي.
وتتضح خصوصية التقنية من خلال الجمع بين الطباعة الحجرية والطباعة بالشاشة الحريرية الملونة وهو تداخل تقني يمنح الفنان إمكانات متعددة في معالجة الصورة. فالطباعة الحجرية تتيح إنتاج تفاصيل خطية ونغمية غنية في حين تسمح الشاشة الحريرية بإضافة مساحات لونية أكثر كثافة ووضوحاً. ويظهر أثر هذا التداخل في العمل من خلال الجمع بين المساحات اللونية الواسعة وبين التفاصيل الخطية الدقيقة بحيث تتجاور الطبقة اللونية مع الأثر الخطي دون أن تلغي إحداهما الأخرى.
ويبرز اللون بوصفه عنصراً أساسياً في تشكيل المنجز؛ إذ اعتمد الفنان على مجموعة من الألوان المتباينة أبرزها الأحمر والأزرق والأصفر والرمادي والبني والأسود والأبيض. ولا تستخدم هذه الألوان بهدف محاكاة الواقع بصورة مباشرة وإنما تؤدي وظائف بنائية وتعبيرية. فاللون الأحمر في الكرسي أو الجزء الخلفي من الشكل يخلق كتلة لونية قوية تقابل الألوان الداكنة المحيطة بها بينما تعمل المساحات الزرقاء والصفراء داخل الشكل الإنساني على تفكيك الكتلة الواحدة إلى مستويات لونية متعددة.
ويظهر التضاد اللوني بصورة واضحة بين الشكل المركزي والخلفية؛ فالجزء العلوي من الخلفية يتخذ قيمة بنية داكنة في حين يظهر الجزء السفلي بلون أزرق داكن الأمر الذي يخلق انقساماً أفقياً واضحاً في الفضاء. ويسهم هذا الانقسام في تثبيت الشكل المركزي وإبرازه كما يمنح المنجز توازناً بين المستويين الخلفي والأمامي. وتصبح الخلفية بذلك عنصراً تشكيلياً فاعلاً وليست مجرد مساحة محايدة خلف الشخصية.
ومن أبرز الخصائص التقنية والتشكيلية في العمل التباين بين المساحات المسطحة والملامس الكثيفة. فهناك مساحات لونية تبدو متجانسة وواسعة تقابلها مناطق تحتوي على كثافة عالية من الخطوط والآثار الطباعية ولا سيما في شعر الرجل وجسم الحصان وبعض أجزاء الملابس. وينتج عن هذا الاختلاف تنوع ملمسي يثري سطح العمل ويمنحه طابعاً جرافيكياً واضحاً.
كما أن معالجة جسد الحصان تكشف عن نزعة إلى التحوير والتشويه التعبيري؛ فالحيوان لا يقدم بصورة تشريحية دقيقة وإنما يعاد تشكيله من خلال تضخيم بعض الأجزاء واختزال أخرى مع إبراز حركة الرأس والجسد والعنق. ويؤدي هذا التحوير إلى منح الحصان حضوراً تعبيرياً يتجاوز وظيفته بوصفه عنصراً موضوعياً ليصبح جزءاً من البناء الرمزي للعمل.
وتظهر العلاقة بين الرجل والحصان باعتبارها جوهر التكوين؛ فالجسد الإنساني يبدو متداخلاً مع جسد الحيوان وتتشابك الخطوط والكتل بحيث تتكون وحدة بصرية واحدة. ويؤدي هذا التداخل إلى إلغاء الحدود التقليدية بين الشكلين وتحويلهما إلى كتلة تشكيلية مركبة. كما أن وضع الرجل في الجزء العلوي والحصان في الجزء السفلي يمنح التكوين تسلسلاً بصرياً واضحاً في حين يعمل الكرسي الأحمر خلفهما على توفير خلفية داخلية تساعد على الفصل بين بعض أجزاء الشكل.
وتتجلى الحروفية والكتابة بصورة غير مباشرة في بعض التفاصيل الخطية والعلامات المنتشرة داخل المنجز إلا أن حضورها هنا لا يطغى على البنية التصويرية بل يأتي ضمن النظام العام للخطوط والملامس. وهذا يتوافق مع توجه العزاوي في الإفادة من العلامة والخط بوصفهما مكونين بصريين قادرين على إغناء سطح العمل دون إخضاع الصورة لهيمنة النص المقروء.
كما يكشف ترقيم الطبعة 79/100 عن طبيعة العمل بوصفه منجزاً جرافيكياً قابلاً للإنتاج ضمن طبعة محددة وهو ما يؤكد حضور البعد الطباعي في العمل. إلا أن التكرار الطباعي هنا لا يعني فقدان العمل لخصوصيته الفنية؛ إذ إن المعالجة التقنية والاختيار اللوني والتنظيم التشكيلي هي التي تمنح الصورة هويتها البصرية.
ومن منظور تقنيات تشكيل المنجز الجرافيكي تكشف هذه العينة عن أهمية التداخل بين تقنيتين طباعيتين في إنتاج صورة ذات مستويات متعددة. فالجمع بين الطباعة الحجرية والشاشة الحريرية يتيح للفنان الجمع بين الإمكانات الخطية والنغمية من جهة وكثافة اللون والمساحة من جهة أخرى. وبذلك تتحول التقنية المركبة إلى وسيلة لتوسيع المجال التشكيلي وإنتاج علاقة أكثر تعقيداً بين الخط واللون والملمس والشكل والفضاء.
وتتضح القيمة التعبيرية للعمل من خلال التحوير الشكلي والتضاد اللوني وكثافة الخطوط إذ لا يسعى الفنان إلى تقديم مشهد واقعي للرجل والحصان وإنما يعيد بناءهما في صيغة تحمل طاقة رمزية وتعبيرية. ويؤدي اللون والخط والتقنية دوراً مشتركاً في تحقيق هذه الطاقة بحيث تصبح المادة الطباعية نفسها جزءاً من الخطاب البصري.
سالم الدباغ
اسم العمل:تكوين / تشكيل (- Formation من سلسلة المربع وفلسفة الصمت)
الفنان:سالم الدباغ (Salim Al-Dabbagh)
التقنية:حفر غائر بحامض النيتريك وحفر إبري جاف على ورقة طباعية (Etching & Drypoint on paper
يُعدّ المنجز الجرافيكي للفنان سالم الدباغ منعطفاً حاسماً في مسيرة الفن الجرافيكي العراقي والعربي. فقد انتقل الدباغ من النزعة الوصفية والتعبيرية الرمزية (الشائعة في جيل الرواد) إلى فضاء التجريد الصارم والبحث البنيوي البحت. العمل المرفق يمثل نموذجاً مثالياً لهذه الفلسفة التي أُطلق عليها نقاداً "بلاغة الصمت" أو "المينيمالية التجريدية".
(The Technical Mechanics) أولاً: التحليل التقني
إن اختيار الفنان سالم الدباغ لتقنيات الحفر الغائر بحامض النيتريك (Etching) والحفر الإبري الجاف (Drypoint) لا يعود فقط لغرض التنفيذ بل هو اختيار فلسفي لتوليد ملامس (Textures) وقيم لونية محددة تخدم رؤيته البصرية:
(Etching)توظيف حامض النيتريك
استخدم الفنان الحامض بشكل مكثف لتعميق الحفر على صفيحة النحاس أو الزنك في المساحات الداكنة الكبرى (المربعات/المستطيلات السوداء في الصورة).
الأثر الفني: الحفر العميق يسمح للصفيحة بحبس كمية هائلة من الحبر القاتم؛ وعند طباعتها تظهر مساحة سوداء مخملية (Valvety Black) شديدة الكثافة تكاد تبتلع الضوء. هذا السواد ليس مجرد لون بل هو "كتلة ضوئية سالبة" لها ثقل بصري مهيمن.
توظيف الحفر الإبري الجاف (Drypoint):
استخدمت الإبرة الجافة لرسم الخطوط الفاصلة المرهفة والمساحة الأفقية الوسطية ذات الملمس المخطط (Striated Textures) في الصورة.
الأثر الفني:الحفر الإبري يترك حوافاً (Burrs) بارزة حول الخط المحفور على الصفيحة؛ وعند الطباعة تظهر الخطوط بحدود لينة ومشوشة جزئياً (Feathery) مما يولد تدرجاً ناعماً وملمساً حسياً عميقاً. في هذه اللوحة هذه التقنية هي التي منحت الشريط الأفقي الأوسط "قوامه" البصري المائل للرمادي مانحة إياه حياة وحركة ناعمة تكسر صرامة الكتل السوداء المحيطة.
ثانياً: التحليل التشكيلي والبنائي (Composition & Formalism)
بناء المنجز الجرافيكي لدى الدباغ يقوم على تضاد هندسي مدروس حيث يتحول "المربع" أو "المستطيل" إلى بنية فكرية بصرية:
بنية المربع المفتوح:في العمل المرفق يتقسم الفضاء إلى مربعين كبيرين (واحد علوي والآخر سفلي) لكنهما ليسا مربعين كاملين بحدود صلبة. الحدود الجانبية للأبيض تشكل زوايا مائلة تجعل المربعات تبدو وكأنها "تتوسع" أو "تتنفس" نحو الخارج.
الشريط الأفقي الوسطي كعنصر حوار:هذا الشريط ليس فاصلاً سلبياً بل هو محور الارتكاز. إنه المساحة الوحيدة التي تحتفظ بـ"ملمس" تقني مرئي (الخطوط المحفورة الجافة). إنه "جسر" أو "نافذة ضوئية" تبقي الكتل القاتمة في حالة توازن.
العلاقة بين الأبيض والأسود:البيوض النقية لورقة الطباعة ليست مجرد خلفية؛ إنها فضاءات فاعلة (Negative Space). التداخل الحاد والقطري للأبيض مع الكتل القاتمة يولد توتراً حركياً خفياً داخل التكوين الهندسي الجامد.
(Hermeneutics) ثالثاً:القراءة التأويلية والفلسفية
يربط سالم الدباغ منجزه الجرافيكي بـ "فلسفة الصمت" وهي قراءة أعمق للمفهوم التشكيلي:
الاحتفاء بالصمت:الكتل السوداء العملاقة تمثل "الصمت الكلي" أو "الغياب الكلي" للضوضاء البصرية. في المقابل يمثل الشريط الأوسط "لحظة تأملية" أو "نفساً خافتاً". العمل يستفز المشاهد لتأمل الفراغ والعتمة كقيم جمالية ذات سيادة وليس كقيم سلبية.
المرجعيات الكامنة:رغم تجريد العمل يرى النقاد أن شكل المربع لدى الدباغ يحيل لاشعورياً إلى مرجعيات روحية ومعمارية (الكعبة المشرفة أو خيمة الشعر البدوية) حيث المربع هو رمز للثبات والمركزية الروحية. العتمة تمثل عمق التأمل في هذا المركز.
الفصل الرابع : النتائج الاستنتاجات التوصيات
أولاً: النتائج
أظهرت نتائج تحليل النماذج الفنية أن التقنية تمثل عنصراً أساسياً في تشكيل المنجز الجرافيكي لدى الفنان العراقي المعاصر، إذ لم تقتصر وظيفتها على الجانب التنفيذي، وإنما أسهمت في تحديد طبيعة الشكل والملمس والقيم البصرية والدلالية للعمل الفني.
كشفت النتائج عن تنوع التقنيات الجرافيكية المستخدمة في بناء المنجز، ولا سيما تقنيات الحفر الغائر والحفر الإبري الجاف والطباعة الحجرية والطباعة بالشاشة الحريرية، مع اختلاف توظيف كل تقنية تبعاً لطبيعة الرؤية الفنية والأسلوب الذي يتبناه الفنان.
تبين أن التداخل بين التقنيات أسهم في إغناء المنجز الجرافيكي وإنتاج تأثيرات سطحية وبصرية متعددة، إذ لجأ الفنان إلى الجمع بين أكثر من معالجة تقنية لتحقيق تنوع في الخطوط والملامس والقيم الضوئية واللونية، بما يصعب الوصول إليه من خلال تقنية واحدة.
أظهرت النتائج أن خصائص الأدوات والخامات وآليات المعالجة التقنية كان لها تأثير مباشر في المظهر النهائي للمنجز؛ فآثار الحفر والإبرة والحبر والطباعة أسهمت في إنتاج ملامس ودرجات من الكثافة والتباين أصبحت جزءاً من البناء الجمالي للعمل.
كشفت النماذج عن نزوع واضح نحو التجريب والتجديد التقني لدى الفنان العراقي المعاصر، من خلال إعادة توظيف التقنيات الجرافيكية التقليدية وتطوير إمكاناتها التشكيلية، الأمر الذي أسهم في إنتاج منجزات تتسم بالاختزال والتجريد والخصوصية الأسلوبية.
ثانياً: الاستنتاجات
إن التقنية ليست وسيلة تنفيذية محايدة في المنجز الجرافيكي، بل تشكل أحد المرتكزات الأساسية التي تحدد طبيعة العمل وهويته البصرية، وترتبط بصورة مباشرة برؤية الفنان وأسلوبه.
أسهم التنوع التقني في فن الجرافيك العراقي المعاصر في توسيع الإمكانات التعبيرية والجمالية للمنجز، ولا سيما من خلال اختلاف آثار الحفر والطباعة والتعامل مع الخامة والسطح.
يمثل التداخل التقني والتجريب في الخامات والأدوات أحد أبرز مظاهر تطور المنجز الجرافيكي العراقي، إذ أتاح للفنان إنتاج ملامس وتأثيرات بصرية جديدة وتجاوز الحدود التقليدية للتقنيات الطباعية.
أظهر تحليل الأعمال أن الأثر التقني للأداة والخامة والحبر والحفر يتحول إلى قيمة تشكيلية داخل العمل، بحيث يصبح الملمس والخط والقيمة الضوئية الناتجة عن التقنية جزءاً من لغة المنجز وليس مجرد نتيجة عرضية لعملية الطباعة.
أسهم توظيف التقنيات الجرافيكية بأساليب متنوعة في تحقيق خصوصية أسلوبية للمنجز العراقي المعاصر، من خلال الجمع بين التقنيات التقليدية والنزعة التجريبية الحديثة، مع المحافظة على حضور الرؤية الفنية والهوية المحلية.
ثالثا : المقترحات
تشجيع الدراسات الفنية المستقبلية على دراسة التقنية بوصفها مكوناً بنائياً وجمالياً في المنجز الجرافيكي، مع التركيز على أثرها في الشكل والملمس واللون والفراغ والقيم التعبيرية، وعدم التعامل معها بوصفها مجرد وسيلة لإنتاج النسخة المطبوعة.
رابعا: التوصيات
تشجيع الفنانين والباحثين على التوسع في التجريب بالتقنيات الجرافيكية، ولا سيما تقنيات الحفر الغائر والحفر الإبري والطباعة الحجرية والشاشة الحريرية، لما توفره من إمكانات تشكيلية وتعبيرية متنوعة.
ضرورة تطوير تدريس تقنيات الجرافيك في أقسام الفنون الجميلة من خلال التركيز على الجانب التطبيقي والتجريبي، وعدم الاقتصار على عرض التقنيات من الناحية النظرية.
إنشاء ورش ومختبرات متخصصة بتقنيات الجرافيك تتيح للفنانين والطلبة اختبار الخامات والأدوات وطرائق الحفر والطباعة المختلفة، بما يسهم في تطوير الخبرة التقنية.
الاهتمام بتوثيق التجارب التقنية للفنانين العراقيين المعاصرين، من خلال تسجيل مراحل تنفيذ الأعمال والخامات والأدوات والتقنيات المستخدمة، بما يحافظ على الخبرة التقنية المتراكمة في الفن الجرافيكي العراقي
التحليل التشكيلي والتقني
كامل، عادل. التقنية في التشكيل العراقي المعاصر: التأسيس والأبعاد، مجلة آفاق عربية ، ص93
رياض، عبد الفتاح. التكوين في الفنون التشكيلية، دار المعارف، القاهرة، 1974 ، ص123
الحلبي، معتز. مبادئ الفن التشكيلي، دار أمجد للنشر والتوزيع، 2015، ص155
بقيشيش، محمود. التشكيل المصري بين الثابت والمتغير، وزارة الثقافة، الهيئة العامة لقصور الثقافة، سلسلة آفاق الفن التشكيلي، العدد 28، 2014، ص200
غزوان، معتز عناد. منجزه الفنيّ وآراؤه في التشكيل العربيّ، مجلة رؤى فكرية، المجلد 3، العدد 2، 2017، ص 125
البياتي، زينب كاظم. المؤتمر الدولي العلمي الأول لقسم الفنون التشكيلية، كلية الفنون الجميلة، جامعة بغداد ، ص73
الناصري، رافع. فن الجرافيك المعاصر، بغداد، 1997 ، ص17
ياسر منجي. هاملت الجرافيك المصري: نحميا سعد، مؤسسة الجزويت للنشر والإعلام، القاهرة، 2021 ،ص21
ح. أبو زيد، التصميم الجرافيكي: المفاهيم والأساليب، دار النهضة العربية، بيروت، 2022، ص. 56.
خ. زكريا، «الابتكار البصري في الفن الجرافيكي المعاصر»، مجلة الإبداع الفني، العدد 3، 2021، ص. 44.
هدى التومي، التقنية الغرائبية في النحت المعاصر: الاختراق من خلال الممارسة التقنية الغرائبية في النحت المعاصر، عود الند، مجلة ثقافية فصلية، العدد الفصلي الثامن، 2018، ص. 38.
ن. القيسي، الفن الجرافيكي والتكنولوجيا الحديثة، دار الكتب العلمية، بيروت، 2021، ص. 112.
م. صالح، التصميم الجرافيكي بين التقليد والحداثة، دار الثقافة للنشر، القاهرة، 2020، ص. 75.
Al-Najjar, S.G. “Digital Photojournalism”. The Egyptian Lebanese House, Cairo, 2018, p. 94.
علي شلق، الفن والجمال، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت، لبنان، 1982، ص. 91.
Patric, J. and T. Simpson. “3D Printing Disrupts Manufacturing; How Economics of One Create New Rules of Competition”. Research Technology Management, Vol. 1, 2013, p. 36.
الجوهرة بنت عبد العزيز بن حمد السعدون، أثر تقنية الأطيان الملونة والمعدنية على إثراء الشكل الخزفي، بحث مقدم إلى جامعة الملك سعود، مركز الدراسات الجامعية للبنات، عليشة، كلية التربية، قسم التربية الفنية، الرياض، 2006، ص. 47.
Afif, B. “Art in Europe from the Renaissance to Today”. Encyclopedia of the History of Art and Architecture, 1st Ed., Vol. 2, Dar Al-Raed Al-Arabi and Dar Al-Raed Al-Lebanese, Beirut, Lebanon, 1982, p. 127.
Aldaghlawy, H.J. “Color Connotations with Costumes in the Performances of the School Theater,” Cambridge Scientific Journal, No. 7, 2021, pp. 239-260, p. 247.
أ. منصور، الإبداع البصري في التصميم الجرافيكي، دار الفكر العربي، القاهرة، 2020، ص. 103.
Al-Attar, M. “The Horizons of Plastic Art on the Outskirts of the Twenty-First Century”. Dar Al-Shorouk, Egypt, 2000, p. 58.
Daryanavard, Z. (Al-Ghaisi), R. Balavi and A. M. Bataineh, “The Communicative Functions in the Speech of the UAE National Anthem in the Light of the Eloquence of the Audience,” Al-Academy, No. 101, 2021, pp. 145-156.
س. محمد، «تأثير الألوان والخطوط في إيصال الرسالة البصرية في التصميم الجرافيكي»، مجلة التصميم والتكنولوجيا، العدد 4، 2022، ص. 61.
Al-Nasiri, R. “Contemporary Iraqi Graphic / From Baghdad the Sixties to Today”. 2009، p. 15، available at: alaraby2، accessed 12 May 2023.
Al-Shukraji, F. “Personal Interview (Recorded), College of Fine Arts، Erbil، 2023. p89
عبد المنعم تليمة، مدخل إلى علم الجمال الأدبي، دار الثقافة، القاهرة، 1978، ص. 64.
ي. عبد الله، «الأبعاد البصرية في تصميم الجرافيك الحديث: دراسة تحليلية»، مجلة الفنون الجميلة، العدد 7، 2023، ص. 89.
Scott, R. Foundations of Design, translated by A.-B. A. Ibrahim, The Franklin Institute for Printing, Dar Nahdet Misr, Cairo, 1980, p. 119.
Qandil, A. “Teaching with Modern Technology, World of Books for Publishing and Distribution”. Cairo, 2006, p. 72.
Ebraheem Mongy, Y., S. Amer Al-Hajri and N. Al Mardhoof Al Saadi, “Inspiring Heritage and Symbols of Local Identity in Contemporary Omani Graphic Art,” Al-Academy, No. 102, 2021, pp. 81-104, p. 91.
Nasser AL Nahari, N. “The Role of Contemporary Interactive Art Works Economically and Culturally: An Analytical Study,” Al-Academy, No. 102, 2021, pp. 123-144.
ليونيللو فينتوري، كيف نفهم التصوير من جيوتو إلى شاجال، ترجمة محمد عزت مصطفى، دار الكتاب العربي للطباعة والنشر، القاهرة، 1996، ص. 83.
Kalied Talib Alsamurai, A. “The Communicative Education of Fine Arts in the COVID-19 Crisis and Its Manifestations in the Modernization of the Works of the Iraqi Painter ‘Nabil Ali as a Model’,” Al-Academy, No. 102, 2021, pp. 207-222, p. 214.